احتفل المئة وخمسون مسيحياً كويتياً والثلاثمئة وخمسون ألفاً من المسيحيين الوافدين بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام في كنائسهم الأربع وفي أربعة مبان أخرى هي أماكن عبادة مستأجرة، كما يحددها القس الكويتي عمانويل غريب لجريدة الوطن(25/12). وصلى الكلدانيون الذين يعدون الطائفة المسيحية الأساسية في العراق.
ويمثلون نحو 3 بالمئة من عدد السكان من أجل «السلام في العراق والعالم» فيما وصفتها قناة السي ان ان «بميلاد كئيب لكلدان العراق»؛ وهو وصف يكشف سببه لمراسل البي بي سي (23/12) أحد الأطباء من تلك الطائفة قائلاً: «أنا عراقي وطني، لكن منذ الغزو الأميركي يصفني العراقيون بالعميل لأنني مسيحي»!
ويبلغ المسيحيون العرب حسب روبرت بيتس، وهو خبير أميركي في شؤون المسيحيين في الشرق، كما تستفتيه البي بي سي حوالي عشرة ملايين، ستة منهم في مصر، ومليون في لبنان ومليون آخر في سوريا، وبأعداد أقل في بعض الدول العربية الأخرى فضلاً عن وجود عدة ملايين من المسيحيين في جنوب السودان من غير العرب.
وفي الأسبوع الماضي طرحت البي بي سي ( في صفحتها الإنجليزية على الإنترنت ) سؤالاً مهماً وهو: «هل أنت مسيحي في الشرق الأوسط؟؟» وطلبت من قرائها الكتابة حول الموضوع المتعلق بشعور المسحيين العرب ورؤيتهم لأوضاعهم وتقييمهم لعلاقتهم ببقية إخوانهم من المواطنين الآخرين.
وإلى الأسبوع الماضي كان هناك 393 تعليقاً معظمها من مسيحيين عرب هاجروا إلى البلدان الغربية يعرضون فيها وجهات نظرهم. وسواء اتفقنا مع وجهات النظر تلك أو اختلفنا معها فإنها تمثل لأصحابها حقائق يعايشونها، يحسن بمجتمعاتنا العربية تأملها والتعامل معها لتكون الوحدة الوطنية قائمة على أرض صلبة.
الكثير من المسيحيين العرب لا يرون أن هناك تمييزاً ضدهم أو أن ثمة تفرقة بينهم وبين أقرانهم من المسلمين، كما ترى ميجان خوري من لبنان، التي لها علاقات وطيدة وعلى قدم المساواة مع أصدقائها من المسلمين. ويشعر نيقولا ( الذي يستوطن أميركا حالياً ) أنه فلسطيني أولاً ومسيحي ثانياً، يشاطره هذا الشعور اللبناني طوني الذي يسكن لندن.
ويرى مواطنه جورج من بيروت أن الحرب اللبنانية لم تكن حرباً دينية على الإطلاق، بل كانت صراعاً بين «أمراء حرب»!! ويلقي تاجر المجوهرات جوزيف الزناتي، من الإسكندرية، الذي تزين محله شجرة عيد الميلاد وصورة للسيد المسيح، باللائمة على الإعلام الغربي إثارته للنعرات الطائفية، ويعتقد أن الغرب كلما تدخل أكثر في شؤون مصر الداخلية، كلما أدى ذلك إلى تصعيد التوتر بين الأقباط والمسلمين.
بيد أن بعض المسيحيين العرب يشعر بالتمييز ضده وأنه بنظر المجتمع والسلطة ليس على قدم المساواة مع أخيه المسلم، فهذه جين من صيدا تقول: «إن مسيحيي الشرق الأوسط الذين ينتمون إلى حضارات عظيمة كالحضارة المصرية والآشورية والفينيقية، يعاملون اليوم كغرباء وموطنين من الدرجة الثانية في أوطانهم»!!
ويؤيدها في ذلك المواطن العراقي شامون الذي يسكن تورنتو في كندا الآن والذي يؤكد بأنه «بغض النظر عن كلام المسلمين، فإن المسيحيين بنظرهم مواطنون من الدرجة الثانية».
ومما يزيد من مرارة شعور المسيحيين العرب ـ كما يعبر عن ذلك ألكس من بيروت ـ هو أن هويتهم أصبحت هي بحد ذاتها إشكالية، فالمسلمون ينظرون إليهم كمسيحيين وليسوا عرباً، بكل ما يعني ذلك من دلالات، وفي الغرب ينظر إليهم كعرب (وتعني المسلمين) بما يحمل اللفظ ـ هذه الأيام ـ من معانٍ سلبية!
والأشد إيلاماً للنفس هو وجود ذلك الحس من التمييز عند بعض المسيحيين الفلسطينيين الذين ساهموا بآرائهم، فرانيا التي تسكن في أبوظبي منذ عشرين عاماً والتي لم تحس يوماً من الأيام بوجود تمييز في دولة الإمارات والتي لها صداقات مع كل شرائح المجتمع وأطيافه، أثارت عجب أهلها وذويها حينما زارت فلسطين منذ سنوات عندما أخبرتهم بتلك العلاقات.
وهي تفسر نظرة الاستغراب تلك «بأن العيش في مجتمع قائم على التصنيف كمجتمعهم (تقصد المجتمع الفلسطيني) يمكن أن يقود إلى مثل تلك النظرة»!!
ومروان من القدس يعاني من النظرة العنصرية من مواطنيه المسلمين، وهم أقلية، بيد أن ذلك لا يمكن مضاهاته بمعاناته على يد الإسرائيليين. وتلك الملاحظة نفسها يكررها باترك من رام الله!
وتتواتر شكاوى الأقباط الذين ساهموا في ذلك الموقع، فيعدد عامر حنا المهاجر إلى كاليفورنيا بعضاً منها «كالتعمد في الترسيب في الامتحانات الشفهية في الجامعة بعد السؤال عن الاسم، وعدم تبوأ مناصب عليا في الدولة، وتحديد بناء كنائس جديدة، والتهجم اللفظي في الحياة العامة وعلى شاشات التلفزيون في خطب الجمعة».
ويشاطره مواطنه أبانوب الذي يسكن مصر الرأي ويركز على أن مساهمات الأقباط التاريخية والثقافية مهملة، في حين يشكو شادي من شعور بعدم المساواة بين الطرفين خصوصاً في مسألة الزواج.
أما يوسف، وهو قبطي من مصر يعيش في أميركا ـ كما يعرف نفسه ـ فإنه يوجز شعور المسيحيين ـ كما يراه بالطبع - بقوله: «حتى لو كان المسيحي يحتل منصباً عالياً ويتمتع بمقام رفيع، فإنه يشعر دائماً بعدم الأمان»!
ويكاد أن يكون ثمة إجماع بين المساهمين من أن انتشار المد الأصولي وما تبعه من تزمت ديني هو عامل رئيسي في خلق تلك «الهوة» الاجتماعية بين أبناء المجتمع العربي الواحد، فزيد معتوق اللبناني من سكان سيدني باستراليا أضحى يفقد أصدقاءه من مواطنيه المسلمين في مهجره البعيد بسبب زيادة نزعتهم الدينية وبالتالي نأيهم عن الاختلاط بغير المؤمنين».
وإيهاب من الناصرة بفلسطين المحتلة يلحظ الظاهرة ذاتها، حيث أصبح الجيل الجديد من الطرفين أكثر ابتعاداً من بعضهم البعض مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق. ولعل تطبيق الشريعة في مجتمع متعدد سبب هذا الابتعاد برأي ألبرت من القاهرة، وهو ما يهدد الوحدة الوطنية حسب ما يذهب مواطنه شريف مسيحا.
ومما يثلج صدر كل عربي، وسط هذا الجو من التبرم والشكوى، أن يجمع المشاركون بذلك الموقع من الذين يعيشون أو عاشوا في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام ودبي على وجه الخصوص، أنهم لم يلحظوا أي تفرقة بسبب انتمائهم الديني.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي