وسط المشهد العربي القائم، عقد أول برلمان عربي جلسته الافتتاحية في مقر الجامعة العربية في القاهرة. بمقاييس الظروف الراهنة، تعتبر مثل هذه الانطلاقة بمثابة حدث فارق، على الأقل لأنه ينطوي على التذكير بأن البيئة السياسية في المنطقة ليست قاحلة بالتمام والكمال.
وان تربتها ما زالت قادرة على تفريخ الأطر والمؤسسات التي تصون الراوبط والقواسم المشتركة وتعمل على تجديدها وإحيائها. أو لأنه يأتي ليؤكد ان الوضع العربي محكوم بقانون الاستدراك والعودة إلى ذاته لاستنهاض عوامل القوة والتلاحم فيها. وبخاصة في زمن التحديات المصيرية وعند المنعطفات الصعبة. والزمن الراهن ينطبق عليه هذا التوصيف بامتياز.
لكن، من ناحية ثانية، لابد من الإشارة، إلى أن إضافة هيئة جديدة إلى منظومة العمل العربي المشترك هو شيء، وتعزيز هذا العمل وتفعيله، هو شيء آخر. ووحده الوقت يحكم في هذا الخصوص.
التجربة الجديدة، أقرتها القمة العربية الأخيرة، في الجزائر. من أجلها جرى أول تعديل لميثاق الجامعة العربية، منذ قيامها، قبل 60 سنة، كان من المتوقع تمرير مشاريع مؤسسات أخرى، مثل المحكمة العربية وغيرها، لكن وحده البرلمان حظي بالموافقة.
وهو يضم 88 عضواً، 4 نواب لكل بلد عربي، بالتساوي، وبموجب قرار القمة، فإن دورة هذا البرلمان تحددت بفترة خمس سنوات، قابلة للتمديد سنتين أخريين، كما تحددت له اختصاصات سبعة، تتراوح بين التداول في طريق تعزيز العمل العربي المشترك، وبين تقديم التوصية وانتهاء بالنظر في التحديات التي تواجهها المنطقة، فضلاً عن مناقشة ما يحيله مجلس الجامعة العربية إليه، من قضايا وملفات.
طبعاً، هي صلاحيات متواضعة، لاتملك الطابع التشريعي الذي تتسم به البرلمانات، عادة. وليس من المتوقع أن يكون في لحظته الراهنة أكثر من ذلك، فهو بداية، والمناخات لا تحتمل التوسع، لكن شرط ألا تتحول البداية إلى نهاية.
فالسوابق لا تدعو إلى التفاؤل، ذلك أن الجامعة العربية، التي يتجسد فيها العمل العربي المشترك، تناسلت عنها هيئات ومنظمات عديدة، تناولت مختلف جوانب هذا العمل:
من دفاع وتربية وعلوم وتعاون اقتصادي .. لكنها جميعها بقيت عاجزة عن الإقلاع وامتنع عليها أن تتحول إلى مؤسسات فاعلة لا هي قدرت على المبادرة لرفد التضامن العربي بعناصر التماسك، ولا جرى تمكينها من تنفيذ قرارات تصب في هذا المجرى، وبذلك تحولت إلى أسماء.
والأسباب ليست خافية، والأمل، في ضوء هذا الواقع، أن يكون تشكيل البرلمان العربي نقلة نوعية لا إضافة عددية، فالكم متوفر وهناك، فائض منه، ما تحتاجه الساحة العربية، التي تعبر ممراً أشبه بعنق الزجاجة، هو أن تكون هذه التجربة، الوافدة عليها بداية تحول متباين مع الماضي، وبما يلبي متطلبات التقارب والتعاضد، ليكون ـ ولو بعد حين ـ نواة مبشرة جديدة، فيها شيء من نفح التجربة الأوروبية .. أو اننا نبالغ في التمني والتفاؤل! الكرة في ملعب أهل البرلمان .