كان يوم أمس الثلاثاء يوما لافتا في تاريخ العرب ولو في بعده الرمزي، حيث انطلقت بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة فعاليات أول برلمان عربي انتقالي أقرته القمة العربية الأخيرة بالجزائر ضمن حزمة أفكار تستهدف تطوير جامعة الدول العربية.
البرلمان العربي كما يبدو خطوة لمحاكاة النمط الأوروبي والتشبه به شكلاً، ومحاولة لتفعيل دور الجامعة؛ غير أنه لن يكون له دور حقيقي فعال؛ '' لكونه جزءًا لا ينفصل عن البرلمانات العربية التي لا تملك أي صلاحيات تشريعية حقيقية''، على حد تعبير برلماني عربي، ورغم هذه المبالغة في هذه التعبيرات، إلا أن هذا لا ينفي رمزية البرلمان العربي، التي يؤمل أن تترجم إلى واقع عملي معاش...
حسب عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، في كلمته بالجلسة الافتتاحية، فإن البرلمان العربي سيكون من صلاحياته مناقشة القرارات التي تصدرها الجامعة، كما سيكون فرصة لتوسيع المشاركة العربية في بلورة السياسات العربية''، مؤملا على أن يكون ''بوتقة للحركات المختلفة في الوطن العربي''.
وكذا فعل الرئيس المصري حسني مبارك خلال الجلسة الافتتاحية بالبرلمان، حيث وصفه بأنه خطوة رائدة تواكب روح العصر. وقال: ''إن تأسيس أول برلمان عربي يأتي في وقت لا مكان فيه للكيانات الصغيرة''.
البرلمان العربي الانتقالي في مرحلته الأولى يضم 88 عضوًا يمثلون 22 دولة عربية بواقع 4 أعضاء من كل دولة لفترة انتقالية تستمر 5 سنوات يجري خلالها وضع النظم الخاصة بإقامة برلمان عربي منتخب. ويمكن أن تمتد المرحلة الانتقالية إلى 7 سنوات قبل إنشاء البرلمان الدائم، ومن المقرر أن تحتضن سوريا مقر البرلمان المؤقت.
المتفائلون بهذه الخطوة العربية اللافتة يقولون أن الهدف من إنشاء البرلمان سيكون البحث في تعديل ميثاق جامعة الدول العربية، وإنعاشها عبر عدة خطوات عملية، ولعل المعضلة التي تواجه هذه المؤسسة الوليدة أنه لن يكون لها أي سلطات تشريعية أو رقابية، فضلا عن أن هناك دولا عربية ليس بها برلمان مثل ليبيا، وبعض البرلمانات معينة كما في السعودية، والبعض الآخر جزء منه منتخب وجزء آخر معين كما في مصر، كما أن بعض المسؤولين في البرلمان العربي ليسوا أعضاء في برلمانات دولهم، كما قيل..
يذكر أن القمة العربية التي عقدت بالجزائر يومي 22 و23 من آذار مارس 2005 أعلنت عن البرلمان العربي ضمن حزمة أفكار لتطوير الجامعة العربية، من بينها أيضًا إقامة مجلس أمن عربي، ووضع نظام أساسي لمحكمة العدل العربية، وقد جاء الإعلان عن هذه الأفكار في أعقاب حملات الانتقاد الشديدة التي تعرضت وما زالت تتعرض لها الجامعة العربية، خاصة في أعقاب احتلال العراق -العضو المؤسس للمنظمة العربية- في آذار مارس ،2003 وعدم اضطلاع المنظمة بدور ملموس في الدفاع عن القضايا العربية، وعلى رأسها حاليًا قضيتا العراق وفلسطين.
وكثيرًا ما يلمح مسؤولو الجامعة إلى أن لب المشكلة يكمن في التفكك العربي، ومهما يكن من أمر، فإن إنشاء مثل هذا البرلمان حتى ولو كان منزوع الدسم، يشكل ولو خطوة صغيرة ورمزية ليس على طريق الوحدة العربية التي غدت حلما بعيد المنال، بل ربما يكون بداية فعلية لإصلاح الجامعة العربية وتفعيل دورها على الساحة العربية.
خاصة وأن المشهد العربي يعاني من حالة مريعة من التمزق والتشظي، يدفع العرب جميعا ثمنا باهظا لها، ويجعلهم يتصرفون على نحو فردي وهاجسهم في ذلك: أنج سعد فقد هلك سعيد، ولا شك أن أمل إصلاح الجامعة يشكل طوق نجاة يمكن أن يسهم في دفع الأخطار التي تتهدد الأمة، ولا تستثني أحدا، لا شعبا ولا أنظمة...