في رحلة العودة من لندن قضيت الساعات السبع في حوار مع جاري الأوروبي الذي يعمل مستشاراً دولياً في شؤون الاقتصاد، وهي المرة الأولى التي أتعرّف فيها على من يجلس بقربي في الطائرة، لأنني لست من هواة التعارف الطارئ أو المؤقت.
ولكن ظروف الرحلة أجبرتني على تغيير العادة والقبول بحديث متشعب مع غريب لقتل الوقت وأشياء أخرى، وحتى اخفف من حالة التوتر التي أوجدتنا بها شركة الطيران، وربما حتى ننسى المعاناة الحقيقية ولا نحسب الوقت فيطول علينا، يعني، وبصريح العبارة كان حواراً فرضته الظروف ونحن معلقون ما بين السماء والأرض.
وكان لابد أن يبدأ الحوار حول الطائرة، وباستغراب واضح قال لي ذلك الأوروبي »سمعت أن بلادكم من أفضل دول العالم من حيث التطور والعمران والتقنية، وأنها أصبحت قبلة لرؤوس الأموال والمستثمرين وحتى السواح في فصل الشتاء.
وزيارتي هذه تنطلق من هذا المفهوم، فقد أرسلتني مجموعة من الشركات الكبرى لاستطلاع الفرص الاقتصادية الناشئة لديكم، ولكنني مصدوم منذ اللحظة الأولى، فهذه الطائرة لا تعبر عن الفكرة المرسومة في ذهني، إنها أول مرة تصادفني أن أدخل الطائرة.
وأشم رائحة بصل وزيت يغلي، وهي المرة الأولى التي تجبرني فيها شركة طيران على الجلوس في المكان الذي تختاره هي وليس أنا، وفي درجة أقل من الدرجة التي حجزت عليها، وهي المرة الأولى، وأنت ترى أنني أقارب الستين من عمري، وقد سافرت منذ كنت مراهقاً، هي المرة الأولى التي أجلس فيها منكمشاً، لا أستطيع أن أمد رجلي.
وركبتاي تضربان في الكرسي الذي أمامي، والظهر لا يعود إلى الخلف حتى لا يحشر في عنق الجالس خلفي، وما بال المضيفات لا يفهمن الانجليزية، انظر إلى تلك، لقد طلبت منها عصير برتقال ثلاث مرات، وفي كل مرة تهز رأسها ولا تعود، يبدو أنكم تفضلون استخدام العرب في طيرانكم.
وهذا شيء جيد إن كنتم تطبقون سياساتكم الوطنية، ولكن ما ذنبي أنا وغيري ممن لا نعرف لغتكم، على العموم، أنا المخطئ لأنني طلبت أن يحجز لي على شركة طيران من بلادكم حتى أكون فكرة كاملة ودقيقة، وأدري أن البداية ليست مشجعة بسبب طيران الاتحاد.
نفضت غبار الحرج، وجففت العرق، ثم سحبت الدليل الإرشادي من جيب الكرسي، قلت لجاري الغاضب اقرأ اسم الشركة، لأنها «ايبر وورلد» وليس طيران الاتحاد، ولأنني «محشور» مثلك في مكاني فقد سألت، وتبين أنها طائرة اسبانية مؤجرة لطيران الاتحاد، وان المضيفات اسبانيات ولسن عربيات، ستقول لي كيف ولماذا، سأقول لك لا ادري، ولكنني خائف على حلم كبير حلمنا به أن يضيع، وتضيع معه آمال معقودة على شركتنا الجديدة.