ان الأحكام المسبقة والنظرة الدونية التي يكونها الغرب تجاه العرب والمسلمين عموما وتجاه ثقافتهم ليست محل جدل فهذه النظرة هي أحد اكبر عوائق الحوار، وانطلاقا من هذه النظرة والحكم المسبق، فإن الغرب لا يعتبر الحوار فرصة للتفاعل من اجل اكتشاف ما كان غائبا عنه من حقائق ومفاهيم ثقافية وجوانب ايجابية في ثقافة العرب والمسلمين تجعله يعيد النظر في ما كان يجهله.

فالغرب منذ هزم العرب وازاحهم عن طريقه ووضعهم على هامش التاريخ، ونظرته لثقافتهم لا تتغير، فهي بالنسبة إليه مجرد ارث لاعقلاني خال من اية قيمة إبداعية، يكبل اتباعه بمجموعة من الموروثات اللاعقلانية ويحول بينهم وبين اندماجهم في ثقافة الغرب، الثقافة الوحيدة القادرة على إخراجهم من تخلفهم وإدخالهم في سيرورة التقدم.

ان مثل هذه النظرة تعد في الواقع رؤية عامة في الغرب مع استثناءات قليلة، فمنذ ان أصبحت ثقافة العرب والمسلمين موضوعا للاستشراق الغربي، صارت بالنسبة للفكر الغربي مجرد موضوع انثروبولوجي شيق تدفع إلى دراسته فضولية معرفية وضرورة استعمارية.

وبالتالي تعكس صورة للعرب والمسلمين تمثل كل ما يمكن ان يكون نقيضا لحضارة الغرب أي اللاعقلانية والجمود والدروشة والقدرية والاتكالية، فهذه الصورة ترسخت في ذهن المتلقي الغربي وجرى توارثها جيلا بعد جيل رغم وجود بعض المحاولات من قبل بعض المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين الذين حاولوا ويحاولون تغيير هذه الصورة عن الثقافة العربية والإسلامية عموما وذلك عن طريق نوع من الحوار مع الثقافة الغربية إلى جانب ما يعرف بعلم الاستغراب أي محاولة نقد الاستشرق.

غير ان هذه المحاولات لنقد ثقافة الغرب ومحاورته والتي حمل لواءها أسماء، مثل حسن حنفي وادورد سعيد وهشام اجعيط وسمير أمين، لا تزال فى بداياتها وأمامها عقبات.

ومحاذير كثيرة فالمعرفة العربية ما تزال تمارس نشاطها على هامش الثقافة الغربية إلى جانب ان دراسة الغرب من خلال مناهجه والجهاز المفاهيمى لثقافته يجعل الدارس يتحول إلى ناقد لثقافة من داخلها والثقافة الغربية ليست في حاجة إلى من ينتقدها من داخلها، لأنها في حقيقة الأمر هي ثقافة قائمة على نقد ذاتها .

ومراجعتها حسب مفاهيمها ومرجعياتها بينما الذي ينبغي نقده في هذه الثقافة هو رؤيتها للآخرين وهذا يقتضى عدم استخدام مناهجها وآلياتها، فالمستشرقون عندما درسوا الثقافة العربية، استخدموا مناهج وأدوات ثقافتهم اما الاعتماد على المناهج الغربية فلا يعد حوارا مع هذه الثقافة من خارجها بل دورانا داخل خطابها الثقافي.

ان نظرة التعالي التي تشكل على الدوام عقبة أمام اية محاولة للحوار والاعتراف المتبادل تتمثل في اكتفاء هذه الثقافة بنفسها وعلي الآخرين ان يتعرفوا عليها .

وهي ليست في حاجة إلى التعرف عليهم، فكل المبدعين والمفكرين العرب، على سبيل المثال، وعلى امتداد الخارطة الثقافية منذ أربعة عشر قرنا حتى الآن لا يعرف منهم الغرب سوى أسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وحتى هذه الأسماء تعتبر هامشية ولا تعرفها إلا قلة من المهتمين والمتخصصين.

ان نظرة التعالي تجاه الثقافة العربية الإسلامية ليست هي المشكلة الوحيدة التي تقف في وجه الحوار والاعتراف المتبادل فهناك أيضاً إشكالية مفاهيم وموضوعات الحوار، فالحوار يجرى في حقيقة الأمر فوق أرضية من القيم والمفاهيم.

والتصورات لم يساهم العرب في بلورتها، بل تم تشييدها من منظور غربي مهيمن، وهو المنظور ذاته الذي طرحت من خلاله - ابان مرحلة الحداثة - جملة من القيم والمفاهيم التي بدت يومها رفيعة وعظيمة.

والتي كانت آنذاك شرطا أساسياً لدخول العرب إلى التاريخ الإنساني حسب المنظور الغربي، فترتب على تلك المفاهيم والقيم ما عرف بأزمة الحداثة والأصالة والتي لا تزال قائمة حتى الآن، فالغرب بدأ غزو العالم منذ القرن الخامس عشر واخضع كل القارات لهيمنته السياسية والاقتصادية وفرض أزمة وصراعا داخل ثقافات الشعوب التي تختلف عنه.

وذلك بفضل ما تمثله حضارته من تقدم في جانبها المادي، فكان تاريخ العالم طوال هذه القرون الخمسة الأخيرة يتلخص في محاولات هذه الشعوب المواءمة بين ثقافاتها وبين ما أتى به الغرب من تقدم مادي لا مناص من الأخذ به.

ان مبدأ الحوار ترفعه في الوقت الحاضر الثقافة الأميركية باعتبارها هي ممثل الثقافة الغربية في المرحلة الراهنة. وباعتبار الولايات المتحدة هي التي تقود العولمة، ولذا ينبغي التعرف على العقبات التي تقف أمام الحوار بين هذه الثقافة والثقافة العربية.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي