برزت قضية إصلاح التعليم في الآونة الأخيرة بروزاً واضحاً، وعلا شأنها علوا شديدا، وأصبح الحديث في جعل التعليم من أولويات الإصلاح وعلى قمة الخطط التنموية والتطويرية في البلاد العربية حديثا تتناقله وسائل الإعلام.

ويصرح به المسؤولون من أعلى المستويات. وكأنّ يقظة مباغتة قد داهمتنا فأصبحنا نرى ما لم نكن نراه من قبل، وصرنا نتلمس طريقنا نحو النور بعد تخبط دام سنوات طوال. وليس القصد أن الحديث عن إصلاح التعليم انبثق من فراغ أو أنه برز في الوعي فجأة من دون سابق ذكر أو تفكير.

فجميعنا يعرف كثرة الحديث في هذا الشأن وتعدد نداءات الإصلاح على اختلاف منطلقاتها ورؤاها. ولكنّ الحديث الآن اتخذ طابعا مختلفا؛ فقد أصبحنا نستشعر قوة الدعم السياسي الذي تلقاه قضية التعليم في أيامنا هذه؛ فالتعليم لم يحظ بهذا الاهتمام الكبير الشامل من قبل الساسة كما يحظى به الآن.

والسؤال الذي أراه محوريا أساسيا في هذا الشأن هو كيف نبدأ؟ كيف ننجح في إصلاح التعليم وجعله القاعدة المتينة الراسخة التي نرفع فوقها هاماتنا عالية نحو السماء؟

لا شك أنه سؤال كبير متعدد الأوجه يتسع مداه ليشمل قطاعات كثيرة ومؤسسات مختلفة وجهات قد نظنها بعيدة عن قطاع التعليم وشؤونه، ولكنّ الحقيقة التي نحتاج أن ننطلق منها في بحثنا عن إجابة صادقة مخلصة واعية هي أنّ التعليم لا ينفصل عن أي شأن من شؤون الحياة، فهو في عمق كل شيء.

وهو نقطة البدء الحقيقية التي غفلنا عنها طويلا لكل نشاط أو تقدم في أي مجال من مجالات الحياة. وهو - في معناه الحقيقي الجميل- صفة لازمة للإنسان لا تقف عند حد ولا تنتهي عند عمر معين ولا يستغنى عنها في مرحلة ما بعد أن ننجح في استخدامها للحصول على الوظيفة أو للوصول إلى المركز.

إننا نحتاج قبل الدخول في تفاصيل إصلاح التعليم وتطوير برامجه إلى أنْ نصحح التصور العام عن ماهية العلم وحقيقته الجميلة الرائعة التي تنمي في الإنسان قيم الصلاح والحق والفضيلة والجمال والحب، والتي تجعله أكثر سعادة وتسامحا وتفهما، والتي ترسخ في فؤاده حب الخير والجد والاجتهاد والكدح المتواصل في سبيل جعل الحياة أكثر حسنا وبهاء.

إنّ العلم بالأشياء هو الذي يجعل الإنسان يقدرها حق قدرها ويعمل مقتنعا مندفعا بمعرفته الذاتية على الحفاظ عليها والاهتمام بها وتطويرها، فكيف يقدر الإنسان شيئا يجهله؟ إننا بحاجة ماسة إلى تقدير العلم قبل أن نفكر في تطويره.

ولا أقصد هنا التقدير الذي نسمعه من الكثيرين، والذي يأتينا في هيئة عبارات وعظية وجمل نرددها وقت الحاجة وفي الملتقيات الرسمية نجامل بها المسؤولين الكبار أو نتزلف بها إلى من هم أعلى منا مقاما ومنزلة، ولا أقصد ذلك التقدير الذي نسطره في كتب التعليم ونعمل جاهدين على أن نلقنه لأطفالنا فنردده عليهم صباح مساء وواقع حالنا يكذب ما نقول ويناقض ما نجهد أنفسنا في تلقينه لأبنائنا.

إننا نحتاج أن نذكر أنفسنا -ونحن نسير قدما نحو جعل التعليم على سلم أولوياتنا - بأنّ للعلم قيمة في ذاته تجعله جزءا من أنفسنا وأهدافنا وسلوكنا. علينا ألا نرتهن في النظر إلى العلم إلى تلك القيمة النفعية المرتبطة بسوق العمل، والتي جعلت الأجيال تتربى عليها، فتنشأ على ما تنتجه من تصورات مدمرة خاطئة عن دور العلم وأهميته في حياة البشر.

إنّنا - لكي نبدأ بداية صحيحة في تطوير التعليم - بحاجة حقيقية إلى أن نعيد النظر في كثير من شؤون حياتنا وتفاصيلها اليومية الصغيرة والكبيرة. إننا نحتاج أن نتأمل واقعنا السياسي وتوجهاتنا العامة ومفهومنا الحقيقي للتطوير.

اننا نحتاج إلى أن نعي واقع العلاقة في عالمنا العربي بين الرئيس والمرؤوس وما يكتنفها من توتر يفرز الكثير من الممارسات الكاذبة القائمة على النفاق والمجاملات والخوف وتوجيه الاهتمام إلى المصلحة الخاصة قبل المصلحة العامة، حتى تجذر التعارض بين المصلحتين في كثير من العقول فقدمت الخاصة على العامة، فضاعت الحقيقة .

وغدا الأمر كالإبحار في محيط بلا أفق في ليل أسود بهيم. إننا بحاجة إلى الصدق مع النفس ومع الآخر والإخلاص في العمل والتفاني من أجل تحقيق المصلحة العامة التي تتجاوزنا نحن إلى الأجيال القادمة في أفق المستقبل الممتد البعيد. فالأشياء لا تنفصل عن بعضها بعضا ولا يمكن الإصلاح في جانب والجوانب الأخرى يعتري معظمها الضعف والتخلف والفساد.

ولا شك انّ إصلاح التعليم لا ينفك ولا يمكن له أن يرى النور إذا كانت الميزانيات التي تخصص لقطاع التعليم بهذا التواضع المخجل الذي نراه في تقارير المنظمات العربية والعالمية. فكلنا يعرف أنّ هذا القطاع يعاني من شح الموارد وفقر المادة التي تقضي على كل النيات الطيبة المخلصة.

فتجعل المرء يدور حول نفسه يرقع هنا وهناك، ويظن أنه قد أحدث في التطوير أمرا لم يأت عليه السابقون ولن يستطيعه اللاحقون. فإذا كنا نشترط الصدق والشفافية والصراحة لأي شكل من أشكال التطوير والتحسين في قطاع التعليم فإننا نقولها من دون تجميل أو تلوين:

إنّ الإنفاق على التعليم في الوطن العربي يعكس تصورا فقيرا ضحلا عن قيمة العلم ودوره المهم في الصعود بنا من الوديان السحيقة إلى الجبال العاليات.

ولذلك نكرر القول بضرورة تصحيح التصور وترسيخ قناعة متينة لدى القائمين على الأمر ولدى كل فئات المجتمع ذات النفوذ والقوة بالقيمة الدائمة الثابتة للعلم في حياتنا.

وهناك أمر حاسم في قضية إصلاح التعليم وتطويره لا يمكن إغفالها ولا المضي قدما بالأمر من دون الوقوف عليها طويلا وإعادة الحديث فيها مرات ومرات. وهي قضية المعلم وما تناله وظيفة التعليم في بلادنا من تقدير ضعيف ونظرة دونية ترى فيها خيارا أخيرا لا يلجأ إليه في الغالب إلا الإنسان الذي لم ينجح في تحقيق مستويات عالية في التحصيل والأداء.

فكثير من الطلبة الذين لم يحصلوا على معدلات عالية يقبلون في كليات التربية، وهؤلاء هم الذين يمسكون بزمام تعليم أجيال متتالية من الناشئة وتربيتهم حسب ما يمتلكونه من قدرات وإمكانات.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن وظيفة التعليم لا تلقى دعما ماديا يوازي ما تتطلبه من أعباء وما تفرضه من مشقات تتجاوز في حقيقتها مشقات أي وظيفة أخرى.

فلا شيء في الوجود يعادل مخاطبة العقول والأرواح وتأسيس المعرفة في الذات البشرية، فهو عمل لا يعرف حدودا يقف أمامها ولا زمنا ينتهي عنده، لكنه للأسف يقابل بتقدير متواضع تترجمه رواتب المعلمين التي تأتي في آخر سلم الرواتب في معظم البلاد العربية.

جامعة الامارات