يبدو أن أساتذة التلفيق بدأوا في فورة نشاط جديدة، فالرئيس بوش توجه إلى الأكاديمية البحرية في أنابوليس بولاية ماريلاند ليعلن أمام جمهور مأمون الجانب انه لن يفرّ من العراق وإنه سيظل ثابتاً على الدرب حتى انجاز المهمة.

وعزف وزير الدفاع دونالد رامسفيلد على الوتر نفسه محذراً من أن أي انسحاب من العراق قبل احراز النصر الكامل من شأنه أن يؤدي إلى تمكين المتشددين في أنحاء العالم. أما نائب الرئيس ديك تشيني فلقد توجه بدوره إلى قاعدة «فورت درام» بشمال ولاية نيويورك ليقف أمام جنود بالزّي الصحراوي ويعلن ان أسبانيا غدت جزءاً من امبراطورية أسامة بن لادن الإسلامية.

هكذا الأمر إذن، نظرية دومينو جديدة: أولاً يسقط العراق، ومن ثم يقولون لنا إن المغاربة سيسيطرون علي اسبانيا مجدداً ويغزون فرنسا. أين سمعنا هذا الكلام من قبل؟

وبعد ذلك حلقت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في أوروبا وقالت ان الحظر على المعاملة الوحشية وغير الانسانية للارهابيين المشتبه بهم يسرى على القواعد الأميركية في الخارج.

إن إدارة بوش تحاول معالجة مشكلة تدني مستويات شعبيتها إلى مستويات قياسية في استطلاع الرأي ودحض الانتقادات الموجهة لها حتى من بعض أعضاء الكونغرس الصقور، وتغيير الانطباعات في الداخل والخارج بأن الحرب في العراق لا تجري على ما يرام والردّ على أولئك الذين يطالبون الولايات المتحدة باحترام مواثيق جنيف والمعاهدات الدولية التي تحظر التعذيب.

وكالعادة فإن جائزة أغرب المجادلات تذهب لنائب الرئيس تشيني. الذي قال: «يشير البعض اننا بتحرير العراق من صدام حسين قد أثرنا عش الدبابير. لكن هؤلاء أغفلوا حقيقة جوهرية: وهي اننا لم نكن في العراق في 11 سبتمبر 2001، ومع ذلك فقد هاجمونا في ديارنا».

هذا صحيح، لكن الارهابيين الذين هاجمونا لم يأتوا من العراق، ولم يكونوا متحالفين مع العراق ولم يكن لهم أي صلة بالعراق أو بصدام حسين. لقد تم التخطيط لهجمات 11 سبتمبر وتوجيهها من افغانستان، حيث كان تنظيم القاعدة يجد ملاذاً آمناً لدى حكومة طالبان.

ولقد فعلنا الصواب عندما غزونا أفغانستان وأطحنا بحكومة طالبان، وكنا نتعقب فلول القاعدة وقيادتها عندما حوّل بوش وتشيني ورامسفيلد انظارهم عن هذه المهمة الأولى، ووجهوا اهتمامهم لغزو العراق.

وهم بذلك أدخلوا العصي في عش الدبابير. وبغزوهم العراق بدون خطة للاحتلال والحفاظ على الأمن واعادة البناء بعد الحرب، أوجدوا أداة تجنيد ومدرسة للمتشددين في أنحاء العالم الذين يريدون أن يتعلموا كيف يقتلون الأميركيين.

وبانجاز المهمة بطريقة خرقاء غير مدروسة ـ تفكيك الجيش العراقي وحظر توظيف أي شخص كان ينتمي لحزب البعث في القطاع العام ـ ساهمت الولايات لامتحدة دون أن تدري في تحفيز نمو تمرد داخلي في أوساط المسلمين السنّة الذين كانوا يحكمون البلد في عهد صدام.

والحقيقة ببساطة هي ان العراق كارثة من صنع إدارة بوش.لقد كانت كارثة أن نغزو العراق على الأسس الزائفة التي قدمتها الإدارة أصلاً كمبرر للحرب. والآن يقولون لنا انها ستكون كارثة أكبر إذا غادرنا العراق قبل احراز نصر ليس له تعريف في قاموسهم.

وبوسع هؤلاء أن يحيطوا أنفسهم بأفراد القوات المسلحة بالزي العسكري البراق ويلفّوا أنفسهم بالعلم الأميركي ويلفقوا الرسالة نفسها يوماً بعد يوم، لكن لا يمكنهم تجاهل أصدقائهم الجمهوريين في الكونغرس والذين عليهم مواجهة الناخبين في الانتخابات النصفية العام المقبل.

بوسعهم اطلاق التصريحات الصارمة الصلبة كما يشاؤون، لكن هذا لن يغير شيئاً من واقع الخسائر البشرية على الأرض في العراق.

وهذا كله ليس له علاقة بالانتصار على الارهابيين ولا بدعم جنودنا. إنها قضية تتعلق بالسياسة والسلطة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان