عندما أحاط الناس بمكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في غزة الأسبوع الماضي مطالبين أن يخطب فيهم، أرسل إليهم مدير مكتبه رفيق الحسيني. كانت تلك فرصة للرئيس ابو مازن كي يشرح لهم موقفه من أزمة فتح لكنه لم يفعل.

وظلت الأزمة قائمة بوجود قائمتين وربما ثلاثة لحركة فتح. فالوضع الداخلي للحركة ما زال يراوح مكانه فبعد اجتياز ازمة القائميتن بحل وسط يقضي بمنع اعضاء المركزية والتشريعي والمجلس الثوري من الترشح في قائمة فتح النسبية بل في الدوائر نشبت أزمة جديدة حيث اعلن رئيس الوزراء احمد قريع عدم اعتزامه الترشح وكذلك بعض اعضاء اللجنة المركزية.

وبعض اعضاء قائمة المستقبل التي شكلها الجيل المتمرد على اللجنة المركزية لأن خوض الانتخابات في الدوائر يثقل كاهلهم في مواجهة مرشحي حماس والمستقلين.

ثمة من قال ان بعض اعضاء اللجنة المركزية لفتح يحاول تشكيل قائمة جديدة باسم ياسر عرفات، هذا في حالة فتح باب الترشيح للانتخابات مرة اخرى.

حيث ان محكمة قضايا الانتخابات ستبت في طعن قدمته منظمات واحزاب يطالب باعادة فتح باب التسجيل لمدة يوم واحد لاتاحة الفرصة لدمج قائمتي فتح في قائمة واحدة، بعد ان تم التوصل الى تفاهم حول ذلك بين كبار وشباب فتح القياديين.

واعادة التسجيل تستند الى ان مسلحين من حركة فتح سبق وأن احتلوا مكاتب لجنة الانتخابات المركزية في غزة ونابلس احتجاجا على القائمة الرسمية ودعما لقائمة المستقبل التي شكلها مروان البرغوثي ومحمد دحلان وآخرون.

وقال عمار الدويك مدير اللجنة انه تم تعويض ذلك اليوم المفقود بتمديد الدوام في ايام لاحقة لكن الدكتور حنا ناصر وهو رئيس لجنة الانتخابات قال ان الأمر بحاجة الى مرسوم رئاسي لتعديل القانون واعادة فتح باب التسجيل ليوم واحد يتيح اعادة تسجيل ودمج قوائم فمن الناحية القانونية كما يقول قانونيون لا يمكن كسب هذه القضية .

ومن الناحية السياسية لا يجوز للرئيس اصدار مرسوم بتمديد التسجيل. لكن ثمة أزمة سياسية تهدد بفتنة داخلية وحرب أهلية ولهذا يبرر البعض اعادة فتح باب التسجيل تحت هذا الشعار.

على أية حال أكدت الأزمة المستمرة مدى الانقسام داخل حركة فتح وعدم قدرة الرئيس ابومازن على فرض السيطرة في حزبه الحاكم وفهم الاسرائيليون وغيرهم وحتى الشارع الفلسطيني ان هذه علاقة ضعف للرئيس ما كان يجب أن يسمح بها بل كان يجب ان يحسمها بكل قوة. فقد خرج رئيس الوزراء احمد قريع بتصريح اعلن انسحابه من الترشيح وابدى معارضته لاجراء الانتخابات بدون مشاركة سكان القدس المحتلة.

وهو مبرر متأخر ربما للتغطية على استياء قريع من القائمة الجديدة، إذ إن اسرائيل لم تعلن رسميا حظرا على مشاركة المقدسيين في الاقتراع وكل ما نشر هو نقل عن مصدر رسمي لم يكشف النقاب عنه .

ولم تبلغ اسرائيل السلطة الفلسطينية بقرار الحظر رسميا. لكن اسرائيل في الوقت نفسه بدأت تروج ان الرئيس ابومازن ضعيف جدا وفقد ثقة الاميركيين والاسرائيليين. بل واعلنت انها وضعت خطة لمرحلة انهيار السلطة الفلسطينية بسبب عجز ابومازن عن فرض النظام والقانون.

عملياً يمكن استبعاد هذا الاحتمال، صحيح ان ابومازن لم يطبق شعاره الانتخابي، توفير الأمن والأمان، الا انه قطع شوطا في ذلك واعاد فرض هيبة رجال الشرطة لكنه ترك ثقباً واسعاً في هذه المسألة حيث لم يحل مسألة المطاردين الذين يحتجون على عدم استيعابهم في أجهزة السلطة بين الحين والآخر باحتلال مقرات حكومية فقد اخفقت السلطة في استيعاب الكثيرين منهم .

وواصلت اسرائيل عمليات الملاحقة والاغتيال لهم حيث لا يمض يوم دون اغتيال بعضهم. ولعل عدم السيطرة على الوضع أمنياً يطرح علامة سؤال حول قدرة السلطة على ضبط الأمن أثناء العملية الانتخابية. إذ إنها الامتحان الأخير للسلطة لكي تثبت قدراتها على الأرض.

والفرصة الأخيرة للرئيس لكي يحكم قبضته على حركة فتح التي اعطت مؤشرات واضحة عن ترهلها في مواجهة الانضباط التنظيمي لحركة حماس. أزمة فتح أكدت فراغاً في قيادتها لم يملؤه أحد بعد رحيل ياسر عرفات الذي كان يبدع حلولاً لكل أزمة، وتعامل مع اعضاء اللجنة المركزية كديكور فقط .

حيث ركز القرار بيده واستخدمهم في كثير من الأحيان كدرع واق في مواجهة القيادات الشابة التي تمردت الآن، عرفات كان يخلق المشكلات ويعرف كيفية حلها وأحياناً ترحيلها الى الأمام، وكل ذلك تفجر الآن في وجه ابومازن، فهل يخرج من الأزمة بسلام أم انها بداية النهاية لأكبر حركة فلسطينية؟ كل ذلك سيتضح خلال هذا الأسبوع.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين