انتهت قمة أبوظبي لقادة دول مجلس التعاون بعد حوالي أربعة وعشرين ساعة من بدايتها، وبالمقاييس المعروفة في اجتماعات القمة للقادة، يمكن اعتبارها أسرع قمة، وجاءت في البيان الختامي الموضوعات التي أقرها القادة، كما جاءت معلومات أخرى من المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير خارجية الإمارات مع الأمين العام للمجلس بعد انتهاء لقاء القمة والذي ذكر فيه:
«بأن المجلس الأعلى ناقش رسالة من عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى الأمين العام لمجلس التعاون التي أشار فيها إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في منطقة الخليج تعطي الانطباع بأن أمن الخليج لا يرتبط بتحقيق الأمن في الشرق الأوسط وبالتالي لا يتأثر بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية.
وأن هذه الجهود تأتي منسجمة مع جهود وأفكار دول أخرى يتم الترويج لها في السنوات الأخيرة، وتدعو للنظر إلى أمن دول الخليج على أنه يتعارض مع فكرة ترابط الأمن الجماعي العربي .
وأن هذا التوجه إذا تمكن من تحقيق أي نجاح سيمثل تقويضاً للجهود العربية الجماعية التي تبذل لوضع مشروع معاهدة تجعل منطقة الشرق الأوسط كلها خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل» ـ جاء ذلك في صحفية الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الثلاثاء، في العشرين من الشهر الجاري.
ويعلق الوزير الإماراتي بأن الخليج يقدر مخاوف الأمين العام للجامعة العربية في مخاوفه وقلقه كمواطن مصري من البرنامج النووي الإسرائيلي ونحن معه في ذلك، لأن هذا البرنامج يخيفنا جميعاً كعرب، ونحن أيضاً لدينا مخاوف وقلق من البرنامج الإيراني.
وكان المفروض أن يتحدث عمرو موسى عن المخاوف في الخليج من البرنامج النووي الإيراني لأن المنطقة قريبة من المفاعل النووي الإيراني وليس لديها حماية ووقاية في حال تسرب الإشعاع من هذا المفاعل، ونأمل عندما يتحدث أمين الجامعة العربية عن المخاطر أن يدخل في حسابه وجود ست دول عربية خليجية ضمن منظومة الأمن العربي.
والموضع الثاني الذي شغل القادة هو العلاقات مع اليمن، ويقول الأمين العام لمجلس التعاون، في هذا الصدد، إن التوجه هو لعقد اجتماع مشترك بين المجلس الوزاري ووزير خارجية اليمن بحضور صناديق التنمية الخليجية لتحديد حجم المساعدات التي يمكن أن تقدمها دول المجلس لليمن خلال عشر سنوات.
ويمكن إبداء الملاحظات التالية، في ضوء الاستنتاجات:
أولاً: جاء في البيان الختامي أن المجلس الأعلى جدد مطالبته بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، بما فيها منطقة الخليج، وجاءت العبارة هادئة أكثر مما يجب.
وتوفيقية أكثر مما متوقع، ومتواضعة في حجم القلق، وهو قلق طبيعي وشرعي، وأنا شخصياً أميل إلى التهدئة من دون تمييع الرسالة التي يجب أن تصل إلى طهران، وجوهرها «رفض إدخال المنطق في سباق التسلح النووي»، ووسيلتها الدبلوماسية الناعمة والمقنعة.
ومظاهرها دعم الجهود الدولية لإقناع إيران بوقف برنامجها، وآليتها العمل الدبلوماسي المكثف لإعلان منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل، وذلك بتقديم مقترح أمام الأمم المتحدة تتبناه دول مجلس التعاون، وهناك خصائص للمنطقة لا تتوفر لدى الآخرين، فلا تتحمل المنطقة انقلابات في ميزان القوى الذي دفعت دول المجلس الكثير من أجل المحافظة عليه.
وتقف الأسرة العالمية بكل أعضائها وراء شرعية الطلب الخليجي، لأن العالم يعرف حساسية المنطقة ويثمّن ترابطها مع الأمن والسلام العالميين، ويعرف قيمتها العالمية في الازدهار الاقتصادي، ويدرك سعرها المرتفع في الاستراتيجية العالمية.
ولا نختلف مع التوجه العام لإعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح المدمر الشامل، ولكن الاعتراض هو الاكتفاء بهذا التوجه على اعتبار أنه يغطي منطقة الخليج.
كما أنه ليس من اللائق توبيخ دول المجلس في جهودها لإعلان المنطقة محظورة من الأسلحة النووية، وغير مقبول ان تتعرض نزاهتها ونظافة سلوكها إلى الشكوك، وليس من الحكمة الدخول في الاتهام حول تأثر دول الخليج بالأفكار التي تروج لها الدوائر الدولية.
ثانياً: ذكر البيان الختامي بأن المجلس اطلع على تقريرين من الأمين العام عن سير التعاون بين المجلس والجهود اليمنية والخطوات التي تم اتخاذها في إطار المجلس حول الموضوع بما في ذلك توجيه المجلس الأعلى بدعم تمويل المشاريع التنموية في اليمن والتوجه لعقد مؤتمر لاستكشاف فرص الاستثمار في اليمن.
ومع معرفتي بأن هذا الموضوع أخذ نصيب الأسد في مداولات القمة، فإن المنطق يدعو إلى الوضوح التام في العلاقات بين اليمن ومجلس التعاون، وهذا الوضوح يدعو إلى علاقات مميزة بين الطرفين تلتزم ـ بموجبه ـ دول مجلس التعاون بالاسهام السخي في مشاريع التنمية تخفيفاً عن الأزمة الاقتصادية الخانقة، ومشاركة في بناء البنية التحتية وتشابكها مع جهود اليمن نحو التطور والتقدم.
وفي هذا المجال لا تختلف الدول، لكنها ستختلف مواقفها عندما يتعدى هذا السياج الى ساحة أخرى تناقش فيها عضوية اليمن، وهنا سنختلف، لأن النظام الأساسي وصيغة الضوابط والمقدمة التي جاءت في النظام الأساسي تحصر العضوية في الدول الست فقط المتماثلة في نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وذات المصير الواحد.
وجاء القرار الذي جاء في البيان الختامي وفي مداخلة الأمين العام في مؤتمره الصحافي تنهي الجدل وتضع حداً للاجتهادات عن عضوية اليمن، فالقرار هو لقاء تكتشف فيه دول المجلس مجالات التنمية للإسهام في خطة اليمن الاقتصادية، وهو قرار سياسي لمساعدة اليمن بشكل مباشر ومتواصل ترجمة للعلاقات المتميزة، ولا داعي إلى إثارة موضوع العضوية مستقبلاً، عضوية مجلس التعاون وفق النظام الأساسي مغلقة.
ثالثاً: من المهم ان تبتعد دول المجلس في نهجها ودبلوماسيتها عن الأعراض التي أصابت العمل العربي المشترك في مقتل، والتي أدت الى الانتكاسات والهزائم وضياع نهج الأولويات.
ومن مزايا دول المجلس التي كسبتها عبر عملها المتواصل هي المصداقية، وهي تجاوز الانفصام بين القول والفعل، والتركيز على ان يكون القرار منسجماً مع القدرة على التنفيذ، بينما سارت الدبلوماسية العربية الشرقية على نهج الأقوال أضخم من الأفعال، واتخاذ القرار دون حسابات التنفيذ، والتوجه نحو المبالغات اللفظية في ما يشبه العنتريات دون التعامل الواقعي مع الأحداث.
أقدر أن أقول بأن الرئيس حسني مبارك قدم مدرسة تتناسب فيها الأقوال بالأفعال، وأخرج مصر من الانفصام الذي عانت منه، واقترب كثيراً في الدبلوماسية المصرية من النهج الخليجي.
يمكن القول أيضاً بأن الملك عبدالله ـ ملك الأردن ـ أدرك بخلفيته الثقافية وحسه السياسي أضرار العنتريات والانفصامات ودبلوماسية المجاملات العربية، فأخذ الأردن إلى ما نسميه النظام الفكري العربي الجديد، وهو الداعي إلى علاقات عربية قائمة على الواقعية والاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وتبادل المنافع، دون تجاوزات خرافية انكشفت أمام الأزمات خاصة أزمة الغزو العراقي لدولة الكويت.
دائماً أقول بأن الجامعة العربية أكثر وفاء للمبادئ التي جسدها ميثاقها من الدول الأعضاء، كما في سجل أحداث الغزو، لكن ذلك لا يعفيني من الإشارة بأن مصطلحات الجامعة ومفرداتها وربما منطلقها ما زال عتيقاً لم يتعرف على المستجدات في نظام المصالح والمنافع الذي يحرك الاتصالات العربية في هذه المرحلة.
وأعتقد ان رسالة الأمين العام حول قضايا الخليج هي من مواليد البيروقراطية في الجامعة العربية التي ولدها النظام العتيق، لأنه ـ من معرفتي الشخصية به ـ أكثر ديناميكية وتحرراً ورفضاً لشباك البيروقراطية المعتقة.
رئيس المركز الدبلوماسي
للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت