القفزات الكبيرة التي شهدتها الأسعار، في الآونة الأخيرة والمفتوحة على زيادات وازنة مع حلول العام المقبل، باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على المستهلكين، خاصة من ذوي الدخل المحدود.
بل هي تحولت إلى كابوس، ينام الناس ويصحون عليه، فالمدخول صار من الصعب توزيعه على الموجبات واللوازم، التي لا فكاك منها، ناهيك عن المتطلبات الأخرى التي يفرضها المستوى المعيشي السائد، حتى لا نأتي على سيرة الكماليات.
وما يقض مضجع المستهلك، المكتوي بنار الغلاء ان موجات انفلات أسعار السلع الاستهلاكية والخدمية، راحت تتلاحق بسرعة لا تترك مجالاً لالتقاط الأنفاس، ومن غير رقيب أو حسيب. والمفجع ان المواطن لا يعرف ما الذي يحصل وما اذا كان هناك من نهاية لهذا التسونامي أم لا ومتى؟
في بداية الربيع الماضي تقرر رفع الرواتب، بحيث تتوازى إلى حد ما، مع الزيادات التي طرأت على الكثير من السلع، وبما يؤدي إلى تخفيف الأعباء، لكن قبل أن تدخل هذه الزيادة حيز التنفيذ عادت الأسعار إلى التحليق وبارتفاعات غير اعتيادية.
من المحروقات إلى السلع الغذائية إلى ايجارات السكن والخدمات وكانت الذريعة المتداولة ان الأسعار مترابطة ببعضها وأي حركة فيها يكون لها مفعول قانون الدمينو. ثم تجددت الموجة مع العودة إلى المدارس وربما كان الاعتقاد يومذاك بأنه موسم غلاء بلغ حدوده ولن يتجدد الى حين. لكن الخيبة، بل الصدمة، كانت بالمرصاد.
فاليوم يجري الحديث والتمهيد لموجة أخرى قريبة، على أهبة الاستعداد لتضرب الجيوب والمحافظ مع دخول عام 2006. والأرقام باتت في التداول وهي تتراوح بين 10% للألبان ومشتقاتها وبين 64% لبعض أصناف الحليب المجفف والعصائر، ليس ذلك فحسب بل ان الموردين للسلع الغذائية رفعوا قائمة تتضمن زيادات بنسبة 30% من الأسعار(!) قفزة صاروخية، طرحت تساؤلات كثيرة:
لماذا الزيادة بهذه النسب؟ ما هو المبرر؟ أهو الطمع أم خلو الساحة من الكوابح؟ أم هو استغلال لا مبالاة المستهلك واعتياده على الاستخفاف بالزيادات الحثيثة وبطريقة الجرعات؟
الجهات المعنية لم تصدر عنها أية خطوات حتى اللحظة. الاتحاد التعاوني الاستهلاكي، رفض الزيادة وقرر الاستنجاد بوزارتي العمل والاقتصاد، في معركته مع الموردين.
ما يحصل في هذا المجال هو من العيار الثقيل الذي تضرب تداعياته السلبية في كل اتجاه: من المستهلك العادي إلى الهيئات والجمعيات الخيرية وانتهاء بالاقتصاد الوطني من جوانبه التنموية والاستثمارية والتجارية.
فمستوى المعيشة يتأثر بالغلاء الفاحش. والعمل الخيري يتقلص، لان موارده محدودة وكذلك عملية التنمية التي ينعكس عليها تدني المداخيل وتبخر الادخار، فضلاً عن تجفيل الاستثمارات الأجنبية وابعادها إلى ساحات أخرى.
المطلوب تحركات بمستوى هذه التحديات وبما يوازن بين عدم التدخل في السوق وعدم تسييبه وكسر احتكارات التوريد ربما كان المدخل الأساسي لمثل هذا التصدي.