تثير قضية الممرضات البلغاريات المتهمات بنقل فيروس مرض نقص المناعة المكتسب الإيدز في ليبيا، واللاتي حكم عليهن بالإعدام في مايو الماضي، ثم ألغي الحكم، ليعاد الملف إلى محكمة البداية لإجراء محاكمة جديدة، تثير هذه القضية مسألة التدخل المتحيز لبعض المؤسسات الغربية في شؤون القضاء بدول العالم الثالث، ولاسيما الدول العربية والإسلامية.
هذا التدخل المدعوم بهالة إعلامية كبرى ينم عن عدم احترام لقرارات المحاكم غير الغربية، والنزعة المتوارثة نحو فرض القيّم والقوانين الغربية على المجتمعات الأخرى، وهو الأمر الذي لا يمكن القبول به من حيث المبدأ.
بل إن من أهم مبادئ منظمة الأمم المتحدة التي تنظم علاقات الدول ببعضها البعض هو وجوب عدم التدخل في شؤون الآخرين، وفرض نوع من الهيمنة أيا كان نوعها. ولطالما أكد عليه الزعماء السياسيون في منابر الأمم المتحدة والتجمعات الإقليمية الأخرى..
والمشكلة أن بعض المؤسسات الغربية ولاسيما اليمينية منها عندما تتناول هذه القضية (بغض النظر عن ملابساتها)، فإنها تتناولها من زاوية واحدة، مسلطة الضوء فيها على وجهة نظر الممرضات البلغاريات ومحامييها داعمة إياها بصور مؤثرة يشاهدها الملايين، دون أن تهتم بالطرف الآخر من القضية، وهم الأطفال الضحايا الذين يبلغ عددهم 426 طفلاً مات منهم حتى الآن 53، وسط معاناة أهاليهم.
والمشكلة هنا أن هذه القضية ليست الأولى التي تثير فيها المنظمات وبعض الحكومات الغربية ردود فعل واسعة على حكم صادر في حق مدان غربي، فقد ضجت أمريكا وأوروبا وأستراليا عندما قامت محاكم في شرق آسيا ولاسيما في سنغافورة بإصدار حكم الإعدام في حق أستراليين متاجرين بالمخدرات.
وعلى الرغم من فداحة التجارة بالمخدرات، وما قد تجره على المجتمعات من خراب، فضلاً عن ثبوتها في حق المتهمين بها، حسبما أفاد القضاة في المحاكمات العلنية، فإن كثيراً من المؤسسات الغربية يبدو أنها ترفض مبدأ محاكمة غربيين في محاكم غير غربية، مهما كانت المحاكمة نزيهة، ودون النظر في إجراءات ومداولات القضية بشيء من الحيادية والنزاهة.
وفي ذات الوقت الذي تندد فيه هذه المؤسسات بالأحكام الصادرة ضد متهمين غربيين في محاكم العالم الثالث، فإنه يقبع سجناء عرب ومسلمون خلف القضبان في غوانتنامو لسنوات بدون محاكمة أو حتى توجيه تهم محددة، وعلى مرأى ومسمع من العالم، وجمعيات حقوق الإنسان.