أربعون يوماً غبت فيها، أرحت واسترحت، ولكنني لم أنقطع عن متابعة الشأن المحلي بكل تفاصيله، بسكونه تارة، وبغليانه تارات أخرى، حيث يتلاطم الموج، وتتحرك رمال الصحراء، فنحن لا نزال نصنع التاريخ هنا.

ونغزل خيوط الأسطورة، ولاننا نعيش دقائقها لا نشعر بها عندما نكون وسط معمعة الأحداث، ويوم نبتعد، ونتغرب في أرض الله الواسعة، نشعر بحقيقة ما ينجز على هذه الأرض الطيبة، نرى الصورة من بعيد، واضحة، ناصعة، تنعكس على وجوه الآخرين، فهم يسألون عن خطانا كيف تكسر العوائق، وعن رجالنا كيف يسبقون الزمن، وعن ناسنا كيف يعايشون الارتقاء نحو القمم.

الإنجليزي يسأل عن حالنا بعد رحيل زايد، يقول »أنتم صنيعة هذا الرجل، وقد شعرنا بأنكم بفقده قد تتجاذبكم الأهواء، ولكننا سرعان ما عرفنا انه أسس لكم دولة قوية.

وخلف رجالاً يحملون الامانة، ويسيرون على نفس الدرب«.أما الهندي المقيم هناك في لندن منذ ثلاثة عقود فمازال يحلم بشقة في أرض الامان كما قال، يستخدمها كمحطة استراحة ما بين وطنه الأم ووطنه البديل، وقد تشتت فكره، فهو لا يزال يبحث عن الانسب بعد ان تعددت الخيارات ما بين أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان ورأس الخيمة.

أما سائق الاجرة الايراني الأصل اللندني المولد، والذي لا يعرف شيئا عن حال الشرق سوى ما يقرأ .

ويشاهد عبر وسائل الإعلام فله رأي مختصر، يقول »أنتم لم تحققوا هذه المكانة بسبب كميات النفط الهائلة التي تفجرت من باطن أرضكم، فهناك دول تنتج اضعاف ما تنتجون ومازالت تتعثر في خطاها، أنتم منحكم الله هبتين، هبة النفط وهبة القيادة، ولهذا يحبكم الجميع«.

في الخارج اتفقت الاراء حول بلادنا، وهذا لا يحدث الا نادرا، وتكفي نظرة الرضا التي تنطلق من محيا أي شخص يسمع اسم الإمارات، اما في الداخل فقد اتحدنا منذ زمن بعيد، وسرنا وسط درب طويل وشائك.

وقطعنا مسافات ومسافات دون ان نتعب او ننوء بالحمل، ودون ضجيج او ادعاء، خطوات مؤمنة بقدرها، واثقة من نفسها، تعرف الهدف الذي تقصده، ونفس تصالحت مع ذاتها.

وتناغمت رغباتها مع انجازاتها، وتقاسمت عطاءها مع مطالبها، وتسابقت في اداء مهامها، فاحرقت مراحل التكوين والتنمية والتخطيط والتأسيس في عمر جيل واحد، وها هي مراحل العمر الاخر تبدأ.

ودون ضجيج أيضا، وتتشابك جميعها لتشكل مظلة جديدة لهذا الوطن، تبدأ بمرحلة التمكين للمواطن، وقد هلت تباشيرها في فترة الاربعين يوما التي غبت فيها، وما تمنيت ان اغيب عنها، عن هذه الصفحات الجديدة التي يكتبها تاريخنا.