بداية، عثرت على هذا العنوان في حوار قديم مع الدكتور نصر حامد أبو زيد، خلال حديثه عن هؤلاء الذين ينقّبون في كتبه وآرائه الاجتهادية عن أي شبهة دينية يخترعون بموجبها سلطة يطاردون بها أطروحاته ويحاكمون أفكاره، وكان الرجل يقصد بتعبيره، المذكور آنفاً، مسألة اصطياد بعض الأخطاء وتحويلها إلى درجة الخطايا، وبتر عنق الحقائق على طريقة : «ولا تقربوا الصلاة».
والحقيقة أن كثيراً ما نجد شعار «البحث عن عفريت» كامناً في بعض الكتابات التي تهجس بموضوعات وطنية تخص مجتمعاً ما .. فنراهم ينجرون إلى هاوية التخليط والتغليط في إشكاليات لا تتحمل نزعها من سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، وتثبيتها في أجواء ليس في مقدورها إنضاج بعض الظنون والشكوك، وإيصالها إلى درجة الحقيقة التي يعتقدون بقرب انبلاجها!.
ولكي نصل إلى اعتقادنا بوصول بعض المخاوف في القضايا الوطنية إلى مستوى «البحث عن عفريت»، يجب أن نتعرف، إجرائيا، على مفهوم «حكم الأقلية» أو الاوليغارشية في فكر آرسطو.
وهو: «نظام سياسي يتولى السلطة فيه عدد ضئيل من الأشخاص، ويستخدمونها من أجل مصالحهم الخاصة» .. أما المفهوم الحديث فهو: «النظام السياسي الذي تحتكر السلطة فيه نخبة محدودة العدد، ومنعزلة تماماً عن باقي المجتمع، وتستخدم السلطة فيه، عبر ستار حديدي، من أجل مصالحها».
والملاحظ في المفهومين انتفاء الجانب الأخلاقي ومصالح الناس من أجندة الحاكمين. بمعنى أنه لا يمكن توصيف «حكم الأقلية» بالفساد أوشيطنته، مالم يتوافر في ممارساته الإضرار بحقوق المحكومين، وضرب حياتهم الكريمة بعرض الحائط.
من ناحية أخرى وعلى المستوى الإجرائي أيضاً، يجب إخضاع مفهوم «الأغلبية» إلى فهم أكثر دقة وأرصن تشريطاً بعيداً عن الحاصل على الأرض.
فمن الثابت أن إطلاق كلمة «الأغلبية» ينسحب بالضرورة الصارمة على من يتمتعون بالهوية الوطنية والإحساس بالانتماء للوطن الواحد.
ربما نعثر على أطياف عرقية أو دينية أو أثنية في مجتمع ما تتصاعد فيه بعض الاحتقانات السياسية، لكننا في نهاية المطاف أمام نسيج وطني واحد، تندرج حقوق أغلبيته تحت بند الحقوق الطبيعية التي يتم تسويتها على طريقة ترتيب البيت من الداخل. كذلك نود أن نثبت في هذا السياق ان حقوق الأغلبية لا تظهر وطأتها ودرجة غليانها إلا في ظل حكم الاوليغارشية المستبدة.
خلاصة القول: إن حكم الأقلية ليس بالضرورة ان يكون فاسداً وظالماً حتى نبحث له عن عفريت ينال من صلاحيته الحُكمية، بدليل أن المهاجرين إلى أوروبا الذين اكتسبوا جنسياتها لديهم مشاكل لا حصر لها في ظل حكم الأغلبية.
وفي أي مجتمع لا يصح أن نخترع له عفريتاً وهمياً عبر إقحامه في أغلبية هي من نسيج المجتمع، الذي تعيش على أرضه وبالتالي يبدو متسرعاً من يضع الأغلبية في خانة المتطلعين إلى أحلام سياسية ليس لها فيها ناقة ولا جمل.
فكل ما يتمخض من مخاطر لا يعدو كونه مجرد ظواهر سلوكية تتقاطع مع تقاليد هذا البلد أو ذاك المجتمع، أو بعض المطالبات الحياتية التي يسهل حلّها بقوانين عملية وإنسانية.
خطورة اللجوء إلى شعار «البحث عن عفريت» في التعاطي مع قضايا الأوطان أنه كثيراً ما يُبعد الأنظار عن الاشكاليات التي تستحق البصر والبصيرة، فنبدو مشغولين بحياكة ملابس فضفاضة لعفاريت هي أبعد ما تكون عن تهديد المستقبل الحقيقي للأوطان.