بكل ما في الطفولة من براءة واستعداد للدهشة أخذ الطفل الصغير يتأمل المظاهر الغريبة التي يراها حوله في المركز التجاري الذي اعتاد زيارته مع والده. لاحظ أن أشياء كثيرة قد تغيرت منذ آخر زيارة قام بها للمركز قبل أيام، فهذه الأشجار المزدانة بالأضواء تنتشر في كل زاوية وتتصدر الردهات الواسعة.

وثمة شيخ كبير ذو لحية كثة طويلة بيضاء مرتديا ملابس حمراء تتوزع صوره وتماثيله في كل أرجاء المركز إلى درجة جعلت الطفل الصغير يتساءل عن سر هذا الزائر الغريب الذي يرى صورته للمرة الأولى، أو لعله رآها قبل ذلك لكنها ما زالت غائمة في رأسه.

كل هذه الأشياء ومظاهر احتفالية أخرى ألهبت مخيلة الطفل الصغير ودفعت بالعديد من علامات الاستفهام التي أخذت تحتشد في رأسه خلف العديد من الأسئلة التي تفرض نفسها عما يراه أمامه وحوله ولا يعرف له تفسيرا.

يزيد من غموض المشهد هذا الصخب الذي يملأ المكان، وتلك الطوابير التي تصطف أمام كوخ أو كهف احتل مكانا بارزا في المركز، بينما وقف الناس يقطعون التذاكر وينتظرون دورهم للدخول إليه، غير عابئين بالوقت الذي يمضي في سعادة تغمر الجميع كما خُيّل له أو أدركه بحسه الطفولي البسيط.

نظر الطفل إلى أبيه محاولا نقل هذا الإحساس المفعم بالغموض إليه فاستقبلته علامات التعجب وحالة الذهول التي ارتسمت على وجه الأب فآثر الصمت، ومضى يتأمل المشهد الذي حوله آخذاً طريقه خلف والده الذي بدا واجما بينما كل ما حوله صاخب محتفل.

دخل الوالد متبوعا بابنه - الذي مازالت علامات الاستفهام تتكاثر في رأسه - محل الألعاب الذي كثيرا ما ترددا عليه حتى أصبح برنامجا ثابتا كل نهاية أسبوع، فاستقبلتهما في مدخل المحل مجموعة من أشجار عيد الميلاد ليجدها الابن مناسبة لفتح الموضوع مع أبيه فيبادر قائلا:

* لِمَ لا نشتري واحدة من هذه الأشجار يا والدي لنزين بها بيتنا كما يفعل الجميع هنا؟

نظر الوالد إلى ابنه مستغربا ثم سأله:

ـ وهل تعرف هذه الشجرة يا بني؟

* أبداً يا والدي، ولكنها لولم تكن تستحق الاقتناء لما كان كل هذا الاحتفاء بها، ولما بادر الجميع إلى وضعها في كل مكان كما ترى؟

قال الوالد:

ـ إنها شجرة لها مكانتها عند إخوتنا المسيحيين بعد أن أصبحت جزءا من زينة أعياد الميلاد لديهم، على اختلاف الروايات حول نشأة الفكرة ومكانها، لكنها مرتبطة على أي حال بمعتقد ديني أسبغ عليها معاني لم تعد معها شجرة تقتنى لمجرد الزينة.

قال الولد بعد أن أجهض الوالد فكرة اقتناء الشجرة رغم ميله إليها:

* ما رأيك إذاً في اقتناء تمثال من تماثيل هذا الشيخ الطيب ذي الملابس الحمراء واللحية البيضاء؟ لا أعتقد أن لديك اعتراضا على هذه الفكرة أيضا.

قال الأب:

ـ وهل تعرف قصة هذا الرجل الذي يطلقون عليه اسم «بابا نويل»؟

هزّ الابن رأسه نافيا هذه المعرفة فواصل الأب:

ـ لهذه الشخصية يا بني قصة وأصل حقيقي، إذ يقال إن صاحبها هو القديس سانت نيقولاس. وهو يوناني ولد وحيدا لوالدين من أعيان مدينة ميرا، وذلك منذ حوالي سبعة عشر قرنا.

كان طفلا ذكيا وشابا نابها متعلما كما تقول الرواية. ورغم ثرائه فقد قرر أن يلتحق بالدير، وأن يقدم جميع أمواله للفقراء والمحتاجين ولكن دون أن يشعروا بذلك. ومن بين هؤلاء الفقراء رجل كان غنيا لكن حالته ساءت ففقد كل ثروته، وكان له ثلاث بنات لم يستطع تزويجهن لفقره الشديد. قام نيقولاس بوضع مبلغ من المال داخل كيس، وتسلل ليلا إلى منزل هذا الرجل دون أن يراه أحد، ثم ألقى الأموال من النافذة، وعندما استيقظ الرجل في الصباح وجد الأموال فأخذها وزوج ابنته الكبرى.

ثم كرر نيقولاس العملية مع البنت الثانية، إلا أن الرجل الفقير أراد أن يعرف الرجل الطيب الذي يضع له المال من نافذة منزله فظل ساهرا طوال الليل، وعندما شعر بسقوط الكيس داخل المنزل خرج مسرعا ليعرف أن الذي ألقى المال هو نيقولاس الطيب الذي كان يرتدي ثوبا أحمر ويغطي جزءا من وجهه.

بعد ذلك بدأ بعض الناس يقومون بهذا الدور مع الأطفال اليتامى وداخل المستشفيات، لكن الرسام الأميركي الشهير توماس هو أول من حدد ورسم الصورة المتعارف عليها الآن لشخصية بابا نويل عام 1822م.

والتي شكلت في ذهن الأطفال القصص الأسطورية حول هذه الشخصية التي تأتي على عربة من الماس، يجرها زوجان من الخيول ذات الأجنحة، تطير بالرجل من مكان إلى آخر ليلة رأس السنة ليوزع هداياه على الأطفال.

كان الطفل يصغي إلى والده بانتباه وتركيز شديدين نتج عنهما السؤال التالي:

*ما دام الأمر كذلك يا أبي، وهو وارد من ثقافة ومعتقدات نحترمها لكنها لا تمت إلينا بصلة، فما هذا الذي نراه يحدث أمامنا هذه الأيام وبهذا الزخم العجيب؟

حاول الأب أن يجد إجابة مقنعة لسؤال ابنه الذي لا ينقصه المنطق، لكنه وجد نفسه عاجزا عن ذلك قبل أن يدرك أنه يساق لتبرير فعل لا يقره هو نفسه ولا يوافق عليه، فرسم شيئا من علامات الحيرة على وجهه، وكثيرا من علامات الاستفهام والتعجب قبل أن يطلب من ابنه اختيار اللعبة التي يريد على وجه السرعة كي يغادرا المكان.

في الطريق مغادرَيْن المركز لاحظ الوالد وابنه عند مرورهما بذلك الكوخ العجيب أن طوابير المنتظرين قد تضاعفت، وأن ثمة نساء بعباءاتهن الخليجية المميزة ورجالا بزيهم الخليجي المعروف يقفون مع أطفالهم منتظرين أن تتاح لهم الفرصة للدخول، بينما تنتشر حولهم أشجار عيد الميلاد.

ويتنقل بينهم شخص متقمص شخصية بابا نويل بلحيته البيضاء وملابسه الحمراء، يوزع الحلوى والهدايا الصغيرة على الأطفال ويصافح الكبار مبتسما. كل ذلك في جو احتفالي لا تأبه بتوفيره هذه المراكز في الأعياد التي لم تعرف سواها هذه البلاد قبل أن تتبدل الأحوال.

كان الوالد يحاول الابتعاد بابنه عن هذا الجو بأقصى سرعة، بينما كانت عينا الطفل تسترق النظر إلى ما يحدث بدافع الفضول المتنامي في هذه السن، حيث يتشكل الوعي وتتكاثر علامات الاستفهام ويصبح الجدل هو وسيلة المعرفة الأولى.

ما كاد الأب يخرج من مرآب المركز التجاري الكبير ويدلف يمينا حتى وجد أمامه أحد الفنادق الكبرى وقد تزين للمناسبة نفسها، فشيد على مدخله نموذجا كبيرا لقلعة أوروبية من قلاع العصور الوسطى، تصدّر بوابتها رمز من رموز إحدى حروب تلك المرحلة الشهيرة بين الشرق والغرب.

التفت ناحية ابنه ليجده ممعنا النظر متوثبا لطرح أسئلته المعتادة، فقرر أن يتجاهل نظراته تلك، وحول طريقه مؤثرا العودة إلى البيت متمنيا أن لا يفاجئه في الطريق ـ أو حتى هناك في بيته ـ شيء مما يصعب تبريره مثلما يصعب السكوت عنه.

( كان هذا فصلا من رواية بطلاها أب يحمل إرثا من معتقدات ثابتة لم تتزعزع حتى الآن، وشيئا من عادات وتقاليد وأنماط حياة تحتضر في غرفة الإنعاش، وابن تتفتح مداركه على عادات وتقاليد وأنماط حياة قادمة من حضارة وثقافة لا تمت بصلة إلى ما تربى عليه أبوه وأجداده، فمن ينتصر في النهاية؟ مازالت الإجابة في رحم الغيب).

aliobaid2000@hotmail.com

كاتب إماراتي