الديمقراطية هي فكرة فلسفية ونظام حكم وقيمة اجتماعية - ثقافية في آن واحد، وبالتالي ليس بالإمكان إقامة نظام حكم ديمقراطي دون استيعاب أهمية الفكرة وعلاقتها بالحياة المجتمعية عامة.

ووجود قناعة بأن الديمقراطية هي أيضا قيمة ثقافية ومسلكية فردية وجماعية وموقف من الآخر. لذلك يلاحظ نجاح الديمقراطية في كل المجتمعات الصناعية، حيث نشأت الفكرة وتوفرت الظروف الملائمة لنموها وتطورها، وفشلت في كل المجتمعات التي لا تزال تعيش في عصور ما قبل الصناعة.

حيث تسيطر قيم الماضي التقليدية والفلسفات الغيبية والشمولية، وذلك باستثناء الهند التي تعتبر تجربة ديمقراطية خاصة لم تكتمل بعد. ويمكن القول ان الديمقراطية في الهند، وبالرغم مما يروج له من دعاية بشأنها، لا تزال تناضل من أجل تعميق جذورها في المجتمع دون تحقيق نجاحات باهرة أو التعرض لانتكاسات كبيرة.

وعلى سبيل المثال، استطاعت الديمقراطية أن تستمر في مجتمعات غربية صناعية بالرغم من تعرضها لنكسات سياسية عميقة حين سيطرت على الحكم فيها إيديولوجيات شوفينية وعنصرية، وذلك كما حدث في ألمانيا في عهد هتلر وفي ايطاليا في عهد موسيليني في السنوات التي سبقت وقوع الحرب العالمية الثانية.

وفي المقابل، تشير الوقائع الحياتية والتجارب التاريخية في مختلف دول العالم الثالث، ومنها بالطبع التجارب السياسية العربية، إلى فشل الديمقراطية في تأسيس نفسها كنظام حكم أو كقيمة اجتماعية - ثقافية أو كفلسفة مجتمعية في تلك المجتمعات، وذلك بالرغم من كثرة الحديث عن الديمقراطية في الأروقة السياسية.

وتداول الفكرة بين الأحزاب السياسية على اختلاف أطيافها العقائدية، ونجاح كلمة ومفهوم الديمقراطية في اقتحام معاجم اللغات الرسمية والكتب الدراسية ومفردات الإعلام في تلك البلاد.

وفي الواقع، اعتقد أن فشل الديمقراطية في غرس جذورها في ثقافة المجتمع وسيطرتها على نظام القيم السائد فيه كان ولا يزال السبب الأهم في فشل التجارب الديمقراطية في الدول العربية وفي غيرها من دول العالم الثالث.

أما فيما يتعلق بالهند، فإن عدم فشل الديمقراطية فيها وذلك بالرغم من بقاء المجتمع والاقتصاد الهندي خارج دائرة الدول الصناعية لفترة طويلة من الزمن وحتى وقت قريب فيعود إلى انتشار فلسفة اللاعنف بين الناس وترسخها في وعي الشعب كجزء من نظام القيم السائد.

ولقد كان الزعيم الهندي المهاتما غاندي هو رائد فلسفة اللاعنف والمقاومة السلمية في العالم، وهي الفلسفة التي أثبتت جدواها في التصدي للاستعمار البريطاني وإجباره على الرحيل من الهند، وصولا إلى تحقيق الاستقلال السياسي وتأسيس علمانية الدولة وديمقراطية الحكم.

جاء تطور الديمقراطية كنظام حكم سياسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر وذلك بهدف وضع حد للظلم والدكتاتورية الفردية، ومن أجل إفساح المجال أمام الشعب لحكم نفسه بنفسه وإحكام رقابته على السلطة السياسية والحيلولة دون استبداد الدولة ورجالها من الساسة والحكام.

ولقد استوجب العمل على تحقيق تلك الأهداف اتجاه العملية الديمقراطية إلى التركيز على الحقوق الفردية والتأكيد عليها من ناحية، وتعريف سلطات الدولة وتحديد مجالات عملها من ناحية ثانية.

والعمل على فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عن بعضها البعض وتحقيق التوازن فيما بينها من ناحية أخرى، والاعتراف بدور العملية الإعلامية في المجتمع وضرورة تمتعها بالحرية والاستقلالية.

أما ميلاد نظم الحكم الديمقراطية فقد جاء أولا في أوروبا الغربية، وذلك نتيجة لحدوث تطورات عدة وفي ظل ظروف مجتمعية معينة حتمت التوجه نحو الحرية والديمقراطية ومنح النظام الديمقراطي حقه من الشرعية السياسية والمجتمعية.

ومن أهم التطورات التي ساهمت في تعبيد الطريق لتبلور نظم الحكم الديمقراطية، تحالف التجار ورجال الأعمال مع أمراء وحكام أوروبا في عصر النهضة ضد الكنيسة الكاثوليكية وتعاليمها التجارية والمالية وممارساتها الدنيوية.

وهي ممارسات اتسمت بالفساد وخداع الناس واستغلال الفقراء والجهلاء. إلى جانب ذلك، ساهم فصل الدين عن الدولة في أعقاب انتهاء الحروب الدينية في منتصف القرن السابع عشر في عزل الكنيسة عن الحياة السياسية عامة، وفتح المجال لظهور الأحزاب والتجمعات السياسية والتنظيمات العمالية.

وبينما كانت تلك التطورات تعيد ترتيب الأمور السياسية والاجتماعية في المجتمع الأوروبي، كانت النشاطات التجارية التي بدأت تتصاعد إبان الاكتشافات الجغرافية وخلال الفترة التابعة لها تقود إلى حدوث تطورات اقتصادية كبيرة اتصفت باتساع مجالات الأعمال الحرفية والصناعية، وتأسيس شركات مالية وتجارية كبيرة لدعم النشاطات الاستعمارية في العديد من بلاد العالم.

على أثر وقوع الثورة الصناعية في بريطانيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ظهرت المدن الصناعية لتأوي العمال والفقراء الذين وقعوا ضحية النزعة الاستغلالية المؤسسية للنظام الرأسمالي الجديد.

إذ قام رجال الأعمال وأصحاب المصانع في حينه باستغلال العمال وحرمانهم من معظم حقوقهم الإنسانية، مما اضطرهم إلى العيش في أحياء فقيرة على هامش الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية لعقود متتالية.

ونتيجة لذلك ارتفعت أصوات المثقفين تنادي بضرورة تدخل الدولة لتحسين ظروف العمل والعيش للعمال، ووقف الممارسات الاستغلالية لرأس المال، ومنع عمل الأطفال وإرسالهم المدارس بدل المصانع.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال أن طبقة العمال جاءت نتيجة لقيام الإقطاعيين خلال العقود القليلة التي سبقت حدوث الثورة الصناعية بالاستيلاء على الأراضي الزراعية وطرد المزارعين منها وحرمان الفلاحين الفقراء من مصدر رزقهم الوحيد في حينه.

ولقد تبع ذلك تبلور قدامى الفلاحين على شكل طبقة فقيرة معدمة قوامها المزارعون الذين فقدوا أراضيهم، مما أجبرهم على البحث عن العمل ومتطلبات العيش خارج بيئتهم الزراعية والقبول بالعمل في المصانع بالرغم من سوء أحوال العمل فيها.

ومع الأيام، وفي ظل المصنع وظروفه القاسية، بدأ عمال المصانع في التحول التدريجي إلى طبقة عمالية بلا مصدر رزق ثابت، تعتمد في كسب عيشها على عرقها واستغلال وقتها، مما جعلها عرضة للاستغلال من قبل طبقة الرأسماليين من ممولين وصناعيين.

وبالرغم من فداحة عمليات الاستغلال، فإن عبأه الأكبر وقع على كاهل الأطفال والنساء الذين فرض عليهم العمل لساعات طويلة في ظل أوضاع مزرية مقابل أجور بخسة، والعيش في أماكن سكنية سيئة للغاية افتقدت كل الخدمات الصحية والاجتماعية.

لكن زخم الثورة الصناعية أدى، وخلال قرن واحد فقط ، إلى تغيير ظروف العمل والعيش معا، وظهور مجتمع جديد افرز ثلاث طبقات اجتماعية:

طبقة ثرية قوامها رجال الأعمال والمال والإقطاعيون، وطبقة فقيرة قوامها عمال المصانع، وطبقة متوسطة قوامها المهنيون وصغار رجال الأعمال والتجار والحرفيون. ولقد لعبت الطبقة المتوسطة دورا رياديا في تنشيط العمليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على السواء، وذلك من خلال تنويع النشاطات الصناعية والتجارية وتنمية الأسواق الاستهلاكية.

ودعم العملية الديمقراطية والمشاركة الفاعلة فيها، واستخدام العملية السياسية لحماية مصالحها الاقتصادية ومواقعها المجتمعية، وقيادة عملية التحول الاجتماعي وصولا إلى بلورة مجتمع جديد وثقافة جديدة مختلفة تماما عن ثقافة المجتمع الزراعي التقليدية، كان من خصائصها ظهور نظام قيم جديد يعطي أهمية كبيرة للوقت والعمل والادخار.

وخلافا للعلاقات التقليدية القديمة، قامت العلاقات الجديدة بين أفراد كل طبقة من تلك الطبقات على أساس المصالح والهموم المشتركة، وليس على أساس القرابة أو الدم أو الانتماء الطائفي أو الدين أو التاريخ.

إن بروز طبقات اجتماعية مختلفة ذات مصالح متباينة جعل العلاقات فيما بينها تتجه نحو التناقض والنزاع أحيانا، وليس نحو التعاون. لكن تقارب المصالح الاقتصادية والتطلعات السياسية لتلك الطبقات خلال تلك الفترة التاريخية كان سببا لدفعها نحو التعاون في مجالات معينة والتنافس في مجالات أخرى.

ولقد كان من أهم مجالات التعاون، العمل على حماية المكتسبات السياسية ومحورها دعم الحريات الفردية وحق المشاركة في الحكم واعتبار الشعب مصدر الشرعية، وحماية المكتسبات الاقتصادية ومحورها تعزيز الحريات الاقتصادية والمعاملات المالية والتجارية.

وتعضيد المكتسبات الاجتماعية وأساسها حرية العبادة وحقوق العمال في الحصول على ضمانات اجتماعية وحق التنظيم والإضراب عن العمل عند الضرورة والتفاوض الجماعي مع رأس المال. وبذلك قاد مبدأ الحرية الاقتصادية الذي أرست أسسه الحركة التجارية على مدى القرون الثلاثة السابقة لقيام الثورة الصناعية إلى تعزيز مبدأ الحرية الفردية.

وهو المبدأ الذي أرست جذوره حركة الإصلاح الديني. من ناحية أخرى، ساهمت تلك التطورات والمواقف في ترسيخ مبدأ الحرية السياسية الذي مهدت له حرية التجارة وقيام التجار بالتحالف مع الحكام ضد الكنيسة الكاثوليكية.

وحيث أن الديمقراطية كانت الفكرة الأهم والأقدر على توفير الإطار المجتمعي لحماية تلك الحريات وتعزيزها جميعا، فإن كافة الطبقات وجدت أن من مصلحتها حماية الديمقراطية والمشاركة في تطويرها وتعميق مفاهيمها وجذورها في المجتمع الصناعي الجديد.

وهذا يعني باختصار أن الديمقراطية هي نتاج تجربة حياتية خاصة عاشتها شعوب أوروبا الغربية في طريقها إلى فصل الدين عن الدولة وإنهاء هيمنة الكنيسة على المجتمع، والعمل على بناء مجتمع صناعي حديث على أنقاض مجتمع الزراعة التقليدي، وتأسيس نظم اجتماعية تقوم على ضمان الحريات العامة والسعي لتحقيق العدالة والمساواة.

وحيث أن المجتمعات النامية عموما، بمن فيها المجتمعات العربية لم تمر بالتجربة الحياتية الغربية، وأنها لا تزال تعيش حياة شبه تقليدية في عصور ما قبل الصناعة، فإن احتمالات نجاح الديمقراطية فيها لا بد وأن تعتبر ضعيفة، مما يستوجب العمل على استنباط معادلة جديدة للعمل السياسي تحقق لتلك الشعوب الحرية والعدالة والمشاركة في الحكم تمهيدا لظهور الديمقراطية.

professorrabie@yahoo.com