منذ ظهور الإعلام العربي في صورته الحديثة بصحفه وإذاعاته و«تلفزيوناته» ووسائله الأخرى التي تأتي في المرتبة التالية من حيث التأثير والانتشار، وهذا الإعلام يمر بأطوار وأدوار ارتبطت بتغير الظروف والمناخات السياسية والاجتماعية المحلية والدولية، حتى تبلور الإطار العام لهذا الإعلام في أنه:
1. واسع الانتشار، فصوته وكلمته وصورته تكاد أن تصل إلى كل أصقاع الدنيا، وأصبح صاحب أي رأي أو مذهب أو فكر لا يعجزه أن يخاطب من شاء كيفما شاء من حيث يشاء.
2. مدعوم أو مؤيد إما بسيف السلطة السياسية، أو بنفوذ رجال الأعمال، وأحيانا قليلة وربما نادرة بمؤسسات المجتمع التي تعتبره سلطة رابعة.
3. يمتلك الاستثمارات ورؤوس الأموال، ويقتني التقنيات وأساليب الفن الإعلامي الحديثة، و«الخبراء» والمختصين في الحقل الإعلامي.
4. يتمتع بمساحة جيدة من حرية الفكر والرأي، وإن كان لا يستغلها إلا في الجانب اللاأخلاقي.
وطوال تلك الأطوار والأدوار، كان يحلو لأكثر هذا الإعلام أن «يوهم» الأمة بأنه سمعها وبصرها، وضميرها المتيقظ، وخط دفاعها الأول في مواجهة الأزمات الدقيقة والحرجة التي تمر بها الأمة داخلية كانت أم خارجية، وسفيرها المفوض فوق العادة إلى العالم بأجمعه.
وانتظرت الأمة عقودا ذلك اليوم الذي سيشب فيه إعلامها عن الطوق، ويبدأ دوره التاريخي، وتضحياته البطولية، ويأخذ بيدها إلى آفاق الوعي والنهوض والهمم السامقة، أو يطوف بصوتها وثقافتها وقيمها النبيلة آفاق هذا الكوكب.
إلا أننا وحتى هذه اللحظة، نستطيع القول أن أكثر الإعلام العربي وبكل المقاييس قد فشل في مهمته، ونقض وعوده، وخيب كل آمال أمته وتوقعاتها، وأبى إلا أن يبدد أحلامها أدراج الرياح، ثم ذهب ـ لما اشتد ساعده ـ إلى أبعد من ذلك فانقلب رأسا على عقب.
وتنصل تماما من قضايا الأمة وهمومها، ثم زاد الطين بلة فبلغ به الأمر أن يلبس زي أعدائها، بل وأن يقف في خندقهم ويرمي أمته بسهامهم، فلم يبق له اليوم من عروبته أو إسلامه أو انتمائه إلا هذه اللغة التي لا يزال يتردد بين أن ينطق بها أو يكتبها عامية أم فصيحة.
وليت الإعلام العربي قد ارتقى بذلك إلى مستوى الإعلام العالمي أو دونه بقليل، ولكن حصاده لم يزد على تطوير بعض مظهره الخارجي، أما جوهره فقد بقي سلعة رخيصة، وبضاعة لا يأبه لها إلا الباحثون عن الترفيه وإضاعة الوقت، وتفاقمت فيه عوامل الضعف والنقص حتى أصبح من السهل أن يوصف معظم هذا الإعلام بأنه:
أولا: بلا رسالة، يسير متخبطا على غير هدى أو منهج، وهذا واضح من التعارض أو التنافر المنهجي والفكري الذي يحدد كيفية تناول الموضوعات، وأيضا من تضارب الرؤى والتوجهات عند معالجة الطروحات التي يتصدى لها، مما يجعله إعلاما بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
وكأن إعلامنا يرى أن الأمة التي تتفشى الأمية بين حوالي 70% من أبنائها، ويعيش ما لا يقل عن 30% منهم تحت حد الفقر المدقع، ولا تملك الدفاع عن نفسها حتى من غزو الجراد، سيتأتى تعليم أبنائها وإطعامهم من برامجه التي يلوكها ليل نهار عن الأحداث السياسية، ونقل المناسبات الرياضية، وتعليمهم الطهو في مطابخ فاخرة.
ولعب دور شاعر الملك ومهرجه فإما أن يكيل له المديح أو أن يضحكه، فقد ظلت أهداف المؤسسة الإعلامية العربية وخططها وبرامجها ونظمها الداخلية ومواردها غير مبنية على أنها مؤسسة ذات رسالة سامية، بل إما تجارية في المقام الأول، أو ناطقة بلسان النظام الحاكم.
ثانيا: ليس له هوية، فالصور والكلمات والأجواء المحيطة تشعرك وأنت تتصفح صحيفة أو مجلة عربية أو تشاهد برنامجا متلفزا أو فيلما سينمائيا أن هذا العمل لا ينتمي إلى بيئتك وثقافتك العربية والإسلامية.
فقد تخلى الإعلام العربي عن كل أثر لانتمائه لهذه الأمة وهويتها وثقافتها وأخلاقها وتاريخها وتراثها، ولم يتبق عنده من ذلك إلا قشور لا وزن لها، فهو يؤمن بجميع الأديان ويعتنق كل المذاهب الفكرية ويرتدي أثواب كل الثقافات والحضارات.
ولهذا تجده يستمد أكثر أعماله وبرامجه من الإعلام الغربي، دون أن يكلف نفسك عناء البحث عما يصلح منها لمجتمعه وبيئته، ويتبنى نفس الطروحات التي يعالجها ذلك الإعلام وبنفس الأساليب التي يستخدمها، وينقل نفس أخباره الرديئة عن حياة فنانيه الشخصية وقططه العالقة على أسلاك الكهرباء.
ويقلده حتى في أفكاره ومصطلحاته التي يستخدمها، حتى قتل في داخله ملكة الإبداع والابتكار والاختراع والتطوير، وحتى وصل به الحال إلى أن يعرض علينا بضاعة الإعلام الغربي كما هي على علاتها كالأطعمة المعلبة تماما، وهناك مجلات وقنوات فضائية عربية وأفلام سينمائية ليس لها من العروبة إلا الأسماء.
ثالثا: تابع أو غير مستقل، فهو ملتصق بالإعلام الغربي قلبا وقالبا، يسير وراءه مسلوبا من إرادته، فلا يملك أن يخالفه أو أن يعارضه، ناهيك عن أن يقدر على الوقوف في وجهه أو التصدي له.
ولهذا فإنه بدلا من أن يتبنى قضايانا وهمومنا، أو أن يتصدى بوعي وحنكة لقضايا مفصلية في الأحداث العالمية كالعولمة والإرهاب وإعادة رسم خريطة العالم وجنون البقر ورعاتها، ظل إعلامنا بوقا للإعلام الغربي يردد كالببغاء مقولاته ويساعده في نصب الأفخاخ الفكرية والمعلوماتية لنا.
أو يجرح مشاعرنا وكبرياءنا بأمجاد الغرب ومآثره (لا أقصد بالطبع ما يتعلق بالإنتاج العلمي أو الأدبي)، حتى أنك تظنه مجرد ترس سيئ الأداء في الآلة الإعلامية الغربية، وهذا ما أدى بالتالي إلى بقائه مشلولا أو عاجزا عن استثمار الأحداث والظروف لا فكريا ولا ماديا.
رابعا: فاقد المصداقية، وهذا بالتالي أدى إلى أن يكون إعلاما سطحيا لاسيما في خطابه الإعلامي الذي يفتقد إلى العمق والفاعلية اللازمين لإيصال التأثير، وحتى أعماله الجادة «القليلة» التي حاول - بمشقة واضحة - أن يقدمها كانت تعاني من هذا النقص الذريع ولكنها جاءت من باب دس السم في الدسم.
وجاء سد النقص في معظمه من باب تبعيته للإعلام الغربي فبقيت أعماله في معظمها أسيرة المحلية، فلا تكاد تجد وسيلة إعلامية عربية تخاطب شعوب العالم، بل إن هذا الإغراق في المحلية تجده كله تقريبا موجها إلى مستويات أو فئات معينة يخاطبها الإعلام داخل حظيرة الوطن العربي أو خارجه، هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد بقي إعلامنا يخاطب رجل الشارع العربي على أنه ناقص الأهلية.
وأنه لا يحسن «رد الفعل» تجاه ما يجري إعلامه به من أحداث أو قرارات أو نتائج أو تنبؤات، ولهذا تجد الإعلام لا يعطيه منها إلا رشفة تناسب قدرته المحدودة على «الفهم»، ولكنها لا تسمن ولا تغني من جوع.
خامسا: مادي، فما يهم كثير من إدارات مؤسساتنا الإعلامية هو جني الأموال وتكديسها وتضخيم أرصدتها المصرفية، وهم «مكيافيلليو» النزعة فالغاية عندهم تبرر الوسيلة ولو كان ثمن الإثراء من وراء العمل الإعلامي سيتأتى من التنصل من مسؤولية حمل هموم الأمة وقضاياها، أو تدمير أخلاق أبنائها من خلال الترويج لكل ما هو فاسد من أخلاق الغرب.
أو إتلاف أموالها وثرواتها من خلال تشجيع أبنائها على السلوك الاستهلاكي، أو خيانة الأمة من خلال تزوير تاريخها بترديد أكاذيب الغرب وافتراءاته سواء على المبادئ أو الإنجازات الحضارية أو الشخصيات، والغريب في الأمر أنه رغم ماديته فهو استهلاكي الميول، فيقتات على مخلفات إنتاج الغير الذي غالبا ما يكون الإعلام الغربي.
أما التطوير الذي طال بعض مرافق إعلامنا العربي وإمكانياته فلم يكن موجها إلى بناء القدرات الإنتاجية وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي والوصول إلى مرحلة التصدير.
بل كان الهدف منه التنافس إلى حد الاقتتال مع الآخرين للاستئثار بحصة الأسد من القراء أو المشاهدين أو المستمعين عن طريق حشوهم بالبرامج أو المقالات «المستوردة»، حتى كادت مساهمة الإنتاج الإعلامي العربي في الاقتصاد أن تبلغ صفرا أو فوقه بقليل.
إنني وأنا أصف هذه الصورة الكئيبة لإعلامنا، لا أجد أدنى حرج من أن أوجه دعوة لكل مواطن عربي ما تزال دماء العروبة والإسلام تتدفق في عروقه، أن يوقع ولو بينه وبين نفسه على صك يعلن فيه براءته من هذا الإعلام، الذي سبقنا فتبرأ منا.
كاتب إماراتي