خرج احتلال غزة من الباب ليعود من الشباك. أواسط الصيف الماضي، رحلت قواته ومستوطناته عنها، ليرابط حصاره على تخومها البرية والجوية والبحرية. كان يمارس عدوانيته من الداخل، فصار يمارسها من الخارج.
استبدل الموقع اضطراراً تحت ضغط تزايد الكلفة. لكنه، على ما يبدو أعاد النظر في استراتيجيته حين قرر، أول من أمس الأحد، العودة إلى شمال القطاع، تحت ذريعة إقامة حزام أمني عازل، بزعم حماية مستوطناته القريبة من الصواريخ التي تطلقها عليها بعض الفصائل الفلسطينية .
وبهذه العودة ومن خلالها تكون إسرائيل قد وضعت سياسة القضم للقطاع موضع التنفيذ، والذي يختزن خطر الاجتياح من جديد، مع كل ما يترتب عليه من مفاعيل قد تتخطى بكثير، هذه المرة، مجرد تكرار احتلاله.
فالمؤشرات والتهديدات، ناهيك عن الدعوات الفاقعة بعدوانيتها الاقتلاعية، ترسم احتمالات وسيناريوهات كارثية، لا يجوز استبعادها، لا سيما أن إسرائيل تعيش أجواء تحريض وتعبئة وكراهية متزايدة تجاه كل ماهو فلسطيني. وهي أجواء مرشحة للمزيد من الشحن والتصعيد خلال الحملة الانتخابية المقبلة، والممتدة حتى مارس المقبل.
التوقيت يشير إلى أن شارون أراد افتتاح هذه الحملة بقراره لإنشاء «المنطقة الأمنية» العازلة. وكي تكون المبادرة بيده وحرمان خصومه من توظيف أوراق التشدد، سارع وزير دفاعه إلى التأكيد.
والتشديد على ان القوات الإسرائيلية عازمة على مواصلة تنفيذ عمليات «الاغتيال والحصار» الذي يضمن «الإغلاق الشامل» على القطاع، وذلك بالترافق مع استكمال خطوات المنطقة العازلة، فضلاً عن تصعيد عمليات «القصف البري والبحري» للمناطق الصاروخية.
لكن كل ذلك لم يكن كافياً في نظر الكواسر الذين سارعوا إلى «الدوبلة» على رئيس الحكومة، مطالبين «باستهداف المدنيين» الفلسطينيين ـ الوزير السابق ليبرمن ـ و«قصف المناطق المأهولة» في غزة ـ وزراء من حزب كاديما الجديد.
بل إن أحد الوزراء ذهب إلى حد التحريض على «تطفيش» الفلسطينيين من القطاع و«إجبارهم على الهرب إلى سيناء» ـ وهو كلام جديد، على الأقل من حيث علنيته ـ، بالإضافة إلى الدعوات لقطع التيار الكهربائي عن سكانه ولاستخدام سلاح «التنين» الجديد ضد كل من يتحرك قرب الخط الفاصل بين إسرائيل وغزة ـ. جبهة عسكرية في حالة حرب مفتوحة على تصعيد لا سقف له.
وهنا لابد من الإشارة إلى نقطتين: الأولى، ان الخلافات الفلسطينية المتفاقمة، سواء داخل فريق السلطة أو في العلاقات القائمة بينها وبين بقية الفصائل، لابد وأنها سهلت على شارون العودة ثانية إلى غزة وتسليط سيف الاحتلال فوقها، مرة أخرى، الثانية.
هي أن الحاجة باتت ماسة الى اعتماد قاعدة حسابات الخسارة والربح في مقاومة الاحتلال، طبعاً هذه الأخيرة ليست فقط مشروعة بل واجبة، لكن المفقود فيها أنها غير مصوبة بدقة وبما يكفل ترجيح المكسب فيها على الأذى الفلسطيني. ولا شك ان ذلك عائد في الأساس إلى غياب وحدة التعامل مع الاحتلال والذي لا مدخل له الا بناء الوحدة الوطنية حول برنامج وطني واحد.