ربما لم يتوقف دعاة معرفة حقيقة اغتيال الحريري في لبنان مطولاً عند كلام السيد حسن نصر الله، لأنهم لا يريدون سماع مثل هذا الكلام الواقعي، الهادئ، المعبّر عن حكمة في التعامل مع الأحداث. فهؤلاء وتحت ستار معرفة الحقيقة يريدون طمس الجانب اللبناني المشرق برموزه، وانعكاساته، ومدلولاته.
السيد نصر الله قال الحقيقة في ما يحدث في لبنان، وتساءل عن أسباب تجاهل «إسرائيل» فيما يجري من اغتيالات، على الرغم من تصريحات مسؤوليها القائلة: «استراتيجيتنا تتحقق في لبنان بإيجاد شرخ بينه وبين سورية»، ودعاة معرفة الحقيقة يصرون على إيجاد هذا الشرخ، عبر توجيه الاتهامات الكيدية إلى سورية، وعبر محاولات تشويه دورها الإنقاذي في لبنان.
السيد نصر الله يدعو إلى التعقل والأخذ بالمصالح اللبنانية الوطنية، وهؤلاء ينفثون السموم بين اللبنانيين وبينهم وبين سورية، لأسباب لا يمكن النظر إليها على أنها تنم عن حسن نية سواء بالنسبة إلى لبنان أو سورية.
هذه الأسماء سيئة الصيت عند اللبنانيين، والتي تدعي الحرص على الحقيقة في جريمة اغتيال الحريري، تصرّ على سد آذانها كي لا تسمع كلمة حق، وتتمادى في المتاجرة بدم الراحل لحساب جهات خارجية وبقصد الإساءة إلى لبنان وسورية. وهي لا تتوقف عند هذه الحدود على خطورتها بل تعمل على التلاعب بالوحدة الداخلية اللبنانية، من خلال استفزاز هذه الفئة، وتحريض تلك، ودفع ثالثة إلى السير على الطريق الخطأ بكل ما يؤشر إليه من مخاطر.
الحريري رحل مأسوفاً عليه لبنانياً وعربياً ودولياً، ولا نظن أن بعض هذه الأسماء من دعاة معرفة الحقيقة حزنت عليه بالشكل الذي تحاول الظهور به، وذلك بحكم التضاد بينها وبينه في التفكير والسياسة والانتماء والوطنية، ومع ذلك تريد أن توهم اللبنانيين أنها الأكثر حزناً على الراحل، وهذا مشكوك في صدقيته.
الحريري رحل، والتحقيق جارٍ على أعلى المستويات لمعرفة مرتكبي جريمة الاغتيال ومعاقبتهم، ومدّعو معرفة الحقيقة ـ وهم بالتأكيد لا يريدونها ـ يسابقون الزمن لتسويق اتهاماتهم لسورية، وإفراغ ما في رؤوسهم من مخططات عبثية.
والسيد نصر الله كان واضحاً في مخاطبته هؤلاء، وتحذيرهم من مخاطر توجيه الاتهامات جزافاً، وفي دعوتهم إلى الأخذ بالمبادئ الوطنية التي تشكل الضمانة الأقوى للبنان، ولفت انتباههم إلى العدو الإسرائيلي الذي يديرون وجوههم عنه.
وفي كل الأحوال فلبنان لن يكون إلا للشرفاء من أبنائه، شرفاء الأمس واليوم من ذوي المواقف والأيدي النظيفة، هؤلاء الذين يسعون فعلاً إلى معرفة حقيقة اغتيال الحريري.