تمر السنوات، والعقود، وإسرائيل لا تريد أن تتعلم من التجارب، وتصر على المضي قدما في الانتصار لفكرة الأمن على حساب مطلب السلام، رغم أن هذا الأخير يضمن لها، إذا صدقت نواياها، وضعا أفضل من ذلك الذي عاشته بامتداد نصف قرن.
بمنطق الأمن أقامت تل أبيب جدارها العنصري الذي يمنع التواصل بين الفلسطينيين، ويقطع أراضيهم. متصورة أن ذلك سيمنع فورات الغضب الفلسطيني من الوصول إليها.
كما أنها تسعى بذات المنطق لإقامة بحيرة عازلة على الحدود المصرية مع قطاع غزة، أملا في منع شعب القطاع من التواصل مع الخارج، أو تحقيق أي استفادة من الوضع الذي خلفه قرار رئيس الوزراء أرييل شارون بالانسحاب من المنطقة.
وقبل يومين فقط، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه ينوي إقامة "منطقة أمنية" في شمال غزة لإبعاد الفلسطينيين الذين يطلقون صواريخ القسام. موضحا أنه قد يعلن المنطقة الواقعة قرب الحدود "منطقة محظورة" سيطلق النار على أي شخص يدخلها. وهو الاتجاه الذي حظي بموافقة شارون، رغم أن تلك المنطقة تدخل، من الناحية النظرية، ضمن المناطق التي تخضع للسيادة الفلسطينية.
الأخطر من ذلك هو ما ذكرته جامعة الدول العربية أمس حين أشارت في تقرير إلى أن هناك مخططا إسرائيليا يهدف إلى تطهير القدس من سكانها الأصليين، كجزء من استراتيجية صهيونية تهدف إلى تهويد المدينة، ومن ثم قطع الطريق على أي مطالبة عربية باستردادها.
الجامعة العربية قالت بالنص إن إسرائيل بدأت بسياسة تطهير عرقي تستهدف عرب المدينة المباركة، مشيرة إلى أن المخطط الإسرائيلي المطروح للقدس هو أن تكون هناك أقلية عربية وأن يتم تطهير البلدة القديمة من الكثافة السكانية العربية.
كل ذلك يحدث، والدول العربية تصر على موقفها التقليدي وتلح على ضرورة عودة تل أبيب إلى مائدة المفاوضات متجاهلة أن الصمت على المخططات الإسرائيلية، سيؤدي مع الوقت إلى فرض الأمر الواقع عليها، ومتناسية في الوقت ذاته أن الذي انسحب من المفاوضات، ودفع بالمنطقة إلى حالة الجمود السياسي القائم هو الطرف الإسرائيلي.
إن ضرورات اللحظة، تفرض على الدول العربية أن تتحرك على مسارات أخرى، لوقف التجاوزات الإسرائيلية، ولإشعار تل أبيب بأن التمسك العربي بخيار السلام لا يعني ضعفا في الموقف، أو تهاونا في التعامل، أو تنازلا عن حقوق ثابتة.