أحياناً يعيد التاريخ نفسه فتتكرر مرحلة ما بصورة أو بأخرى.هذا ما نراه اليوم داخل الولايات المتحدة هو صورة منقحة للدولة البوليسية التي سيطرت على المجتمع الأميركي قبل نصف قرن تقريباً وعُرفت بمرحلة «المكارثية».

خلال خمسينات القرن الماضي، تحوّل الداخل الأميركي إلى جحيم فكري باسم مكافحة المد الشيوعي، ولهذه الغاية جرى سن قانون قبيح يخوِّل سلطات أمنية واسعة للجنة أمنية في الكونغرس اشتهرت باسم رئيسها السيناتور جو مكارثي الذي كان نموذجاً للشخصية الهستيرية.

بموجب قانون «النشاط اللاأميركي» كان مجرد الاشتباه يكفي لتدمير شخصية أي فرد أميركي تستدعيه اللجنة وتستجوبه، لأن الاستدعاء والاستجواب غالباً ما يتبعهما فقدان الشخص المطلوب لعمله واعتقاله من دون محاكمة.

الآن، وبعد نصف قرن، جرى على يد إدارة بوش بعث قانون النشاط اللأميركي منذ «أحداث سبتمبر» 2001 باسم «قانون الوطنية» مع اختلاف العنوان. فبينما كان الهدف المعلن للقانون القديم هو مكافحة الشيوعية فإن الهدف المعلن في القانون الجديد هو مكافحة الإرهاب.

غير أن التشابه الجوهري بين قانون الأمس وقانون اليوم أعمق من ذلك من حيث الهدف غير المعلن.. وهو إسكات الأصوات المناهضة للعولمة والنظام الرأسمالي الأميركي والنفوذ اليهودي الذي يقود أميركا إلى حروب غير مبرَّرة تؤدي إلى إفلاس الاقتصاد الوطني الأميركي.

أجل، في عهد المكارثية سيئة الصيت لوحقت شخصيات عُرف عنها اعتناقها للشيوعية، ولكن الغالبية العظمى للضحايا كانت شخصيات عُرفت باستقلالية الفكر..

بل وأكثرهم كانوا معادين للنظرية الماركسية. من هؤلاء كان هناك كتَّاب وصحافيون وأدباء ومخرجون سينمائيون ومعهم ممثلون وكتَّاب سيناريو كان «ذنبهم» الوحيد هو أنه كان لهم رؤية انتقادية للنظام الرأسمالي السائد.

وانسلخت سنوات كريهة في الولايات المتحدة قبل أن يلغى قانون النشاط اللاأميركي.الآن سارعت مجموعة «المحافظين الجدد» ـ الوجه الخارجي لليهودية الأميركية ـ إلى استثمار تفجيرات سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن لإعادة إحياء المكارثية من خلال «قانون الوطنية» مستغلين مناخ الخوف من الإرهاب.

القانون يمنح الأجهزة الأمنية سلطات تكاد تكون غير محدودة في التجسُّس على المواطنين خارج إطار القضاء، بما في ذلك التنصُّت على المكالمات الهاتفية واقتحام مسكن «مشتبه فيه» وتفتيشه خلال غياب صاحبه عن المسكن، ومن دون إبلاغه مسبقاً والاطلاع على حسابات الأفراد المصرفية من دون علمهم.

وأيضاً اقتحام المستشفيات والمكتبات العامة لمعرفة أي نوع من الكتب يقرأ المواطن «المشتبه فيه» ومعرفة تفاصيل سجله الطبي.. كل ذلك من دون إذن قضائي.

لقد ثارت مؤخراً ضجة سياسية دولية حول سجون التعذيب السرية التي أقامتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بلدان أوروبا الشرقية وأماكن أخرى خارج الأراضي الأميركية. وما كان لهذه الحقيقة أن تكون مبعث اندهاش، فالسجون الخارجية هي الامتداد الطبيعي للدولة البوليسية الأميركية في الداخل.