أخيراً، تمت ولادة الموازنة السنوية للأمم المتحدة بعملية قيصرية أشرف عليها الأطباء «الكبار»، وارتضى الآخرون بالمولود على علاته، فبعد جولات من المساومات والمناورات وتحت ضغط الوقت، تم التوافق على أرقام، 4 ,1 مليار دولار سنوياً ولمدة سنتين، جاءت مكبّلة بالقيود والشروط. ويمكن لولا اقتراب الموعد النهائي لإقرارها.

وهو 31 الجاري، لكانت عملية الأخذ والرد والشد، قد تواصلت وحتى إشعار آخر، وبكل حال تمكنت إدارة الرئيس بوش من فرض تصورها لتسيير ولعمل المنظمة الدولية كأمر واقع، مقابل ذلك ضمنت هذه الأخيرة الاستمرار في القيام بمهامها الإدارية والدولية، أخذت من الأوكسجين ما يكفي لبقائها على قيد الحياة ولغاية أن تنتهي المناقشات حول المقترحات المتعلقة بالإصلاحات المطلوبة.

والتي سبق وحصل التداول بشأنها في قمة الأمم المتحدة لعام 2005، سبتمبر الماضي. والمعروف ان واشنطن تصر على حزمة من الإصلاحات المؤدية بصورة مباشرة إلى إدخال تعديلات على الدور المنوط بالمنظمة. وبالتحديد على الجانب المتعلق منه بفضّ النزاعات الدولية والذي يشكل علّة وجودها والغاية الأساسية من إنشائها قبل حوالي نصف قرن.

الإصلاحات الإدارية والمالية مطلوبة وضرورية، بل ثمة ما يشبه الاجماع حول ضرورتها. لكن مقاربة الإدارة الأميركية لها لا تلقى القبول، من جانب كتلة دولية واسعة، خاصة مجموعة ال77 من الدول النامية، التي ترى أن لواشنطن أجندتها السياسية التي تتجاوز الإصلاح .

والتي تهدف إلى التحكم بالمنظمة وبما يتلاءم مع خدمة سياساتها الخارجية، الاعتقاد السائد لدى هذه الدول ان واشنطن تريد من الأمم المتحدة، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أن تتحول إلى هيئة لا تتقدم على واشنطن في التعاطي مع الشؤون الدولية بل تتبعها، وفي أحيان كثيرة أن تقوم بمهمة توفير الغطاء لها ولتثبيت هذه القاعدة عمدت إدارة بوش.

وإلى حد بعيد الكونغرس في إدارة كلينتون، إلى استخدام ورقة الموازنة من مدخل الحصة المترتبة على واشنطن فيها والتي تشكل 25% منها، ومنذ سنوات لجأت هذه الأخيرة إلى التذرع بالإصلاح كي تمتنع عن تسديد المتوجب عليها والذي وصل مرة إلى أكثر من 3 ,1 مليار دولار.

واليوم عادت إلى الوسيلة ذاتها، لكن بشروط أصعب وأشد، فهي وافقت على الموازنة شرط أن تؤخذ موافقتها على كيفية انفاق المتبقي من الميزانية المؤقتة لمدة 3 أشهر، التي سبق إقرارها، مع ربط هذه الموافقة بحصول الإصلاحات التي تريدها، خلال الأشهر الستة من العام المقبل.

وإلا سارعت إلى وقف تسديد حصتها إذا لم يتحقق ذلك. يضاف إلى ذلك شرط آخر: ألا تتجاوز نفقات المنظمة 950 مليون دولار للعام المقبل، مع أن المقرر هو 4 ,1 مليار دولار.

الواضح من سلة الشروط الأميركية، ان في هذا الأمر إملاء. خاصة وأن السفير الأميركي في الأمم المتحدة لا يخفي هذه اللهجة في أدبياته الدبلوماسية والإملاء هنا يعني الاستئثار الذي يهدد ليس فقط بتفريغ الأمم المتحدة من طابعها الدولي بل أيضاً بمصادرتها، الأمر الذي ينبغي استدراكه قبل خسارة صمام الأمان الذي تمثله المنظمة الدولية.