تمارس الدول الغربية بشكل عام، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ضغوطاً هائلة على الدول العربية، من اجل إدخال إصلاحات ديمقراطية، وتوسيع هامش المشاركة السياسية، للوصول إلى التداول السلمي للسلطة، الذي يسمح بتخفيف التوترات والتشنجات ويزيل الاحتقان داخل المجتمعات، ما يرسخ الاستقرار والأمن في المنطقة.
لكن في مقابل هذه الضغوط الرهيبة، والتي تصل أحيانا إلى حد إصدار قرارات توصي بعقوبات، نجد الغرب نفسه يمارس ازدواجية كبيرة في مسألة الديمقراطية، إذ يريدها في دولة معينة ولشعب معين، في حين يعارض بشكل ديكتاتوري في أماكن أخرى، ولأسباب اقل ما يمكن ان توصف به، هي أنها سخيفة.
ولنا في الحالة الفلسطينية خير دليل، اذ انه على الرغم من إصرار أميركا والدول الأوروبية، على أن تمارس السلطة الفلسطينية الديمقراطية، نجدهم يتحدون ضد مشاركة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في هذه الانتخابات.
فقبل أيام صوّت مجلس النواب الأميركي بأكثرية ساحقة على اعتبار «حماس» من «المنظمات الإرهابية»، وإنه يجب ألا تتمكن من المشاركة في الانتخابات الفلسطينية، طالما أنها لم تعترف بوجود إسرائيل.
ونص القرار الذي اتخذ بـ 397 صوتا وعارضه 17 وامتنع 7 عن التصويت، على أن دخول «حماس» الحكومة الفلسطينية، أو أي منظمة أخرى مدرجة في اللائحة السوداء للمنظمات الإرهابية التي أعدتها الخارجية الأميركية، يمكن أن يحمل الإدارة على إعادة النظر في المساعدة المالية للفلسطينيين والعلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة.
وبعد ذلك بأيام قليلة، بعث 70 نائباً في مجلس الشيوخ الأميركي رسالة إلى الرئيس جورج بوش طالبوه فيها، بأن يوضح للقيادة الفلسطينية، أنه يجب نزع سلاح «حماس» وإلا منعت من المشاركة في الانتخابات المقبلة.
وقال النواب في الرسالة ان الولايات المتحدة «لن يكون أمامها من خيار سوى إعادة تقييم كل جوانب علاقاتها» مع السلطة الفلسطينية اذا سمح بمشاركة «حماس» أو مثل هذه الجماعات في الانتخابات.
وفي تقارب مع الموقف الأميركي، لوح أيضاً المنسق الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والدفاع للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا بوقف المساعدات إلى السلطة الفلسطينية، إذا فازت حماس في الانتخابات المقبلة.
وقال إن» الاتحاد الأوروبي سيجد صعوبة في التعامل مع السلطة الفلسطينية، مشيرا على وجه الخصوص إلى استمرار حماس في مقاومة الاحتلال وعدم اعترافها بإسرائيل».
هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا هذا الموقف العدائي من مشاركة «حماس» في الانتخابات التشريعية؟ الإجابة على ذلك، لا تحتاج إلى جهد كبير، إذ ان الولايات المتحدة والدول الأوروبية، تريد أن تنزع الشرعية، عن كل جماعة ذات توجه إسلامي.
وتمارس المقاومة قولا وفعلا، ومن ثم يمكن وصمها بالإرهاب والعنف وبالتالي تشدد الضغوط عليها، حتى تقبل بقواعد المعادلة الجديدة، وهي أن تقاوم المحتل الذي يغتصب الأرض ويقتل الإنسان ويحرق الزرع، بالورود أو على الأقل بالتظاهرات السلمية التي لا تقذف حجرا في وجه جنود الاحتلال.
ومن الواضح أن هذا التشدد، ينحصر فقط ضد جماعات المقاومة التي لديها مرجعية دينية، في حين لا يتم اتخاذ موقف مماثلة، ضد جماعات أخرى، تمارس الفعل المقاوم بكل صوره واشكاله، وبما فيه من عمليات استشهادية، من دون أن يتم وضعها على قائمة ما يسمى بالإرهاب.
لكن على أية حال، فإن هذه الضغوط لن تكون ذات قيمة، لأن الشعب الفلسطيني الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع لن يقبل بقيود على العملية الديمقراطية، وسيقرر ويختار من يريده، وسيحمى الفصائل التي تدافع عنه،وسيمنحها الشرعية الكاملة، لمواصلة عملها من أجل تحرير الأرض من دنس المحتل ووقف عدوانه الإرهابي.