هل الإعلام تجارة؟ نعم الإعلام عمل تجاري وإن اختلف في جوهره وطبيعته عن سائر المهن التجارية الأخرى. وهذه حقيقة يصفها الباحثون في شؤون الإعلام والصحافة بأنها الحقيقة «البغيضة» و«الكريهة» و«غير المكتوبة» التي يتعامل معها الصحافيون وكأنها غير موجودة في محاولة منهم لتجاهلها وتجاوزها.
وتعود هذه الاشكالية الى الطبيعة الاساسية للإعلام وهي تقديم نوعين متناقضين من الخدمة إحداهما ليست للبيع متمثلة في التأثير الاجتماعي من خلال دعم المبادئ والأسس التي يقوم عليها المجتمع ومن خلال رفع المستوى الفكري والاجتماعي والثقافي ونشر الوعي السياسي لخلق رأي عام مستنير.
اما الخدمة النقيضة التي يقدمها الإعلام فهي للبيع ومتمثلة في محاولة تحقيق الربح المادي من خلال اغراء القارئ بشراء الصحيفة واغراء المعلن بعرض بضاعته على صفحات الجريدة وهو الامر الذي يضمن للمؤسسة الإعلامية عائدا ماديا يمكنها من الاستمرار في الوجود.
ويواجه الصحافيون عموما، مهما بلغ تاريخ بعضهم الطويل في مهنة الصحافة والإعلام، صعوبة في ابتلاع الحقيقة الخاصة بكون الإعلام تجارة وربحاً ومكسباً لأن حساباتهم معتمدة على مفهوم العائد المعنوي المتمثل لديهم في المردود الفكري والثقافي والايديولوجي الذي تحققه أقلامهم وابداعاتهم وكتاباتهم وليس في المفهوم المالي.
ويعاني الصحافيون كثيرا في كل مكان بسبب التوجه الحالي للقائمين على المؤسسات الإعلامية لادارتها بمنطق ومفهوم قوانين الربح المادي.
ويترتب على منطق (أهمية الربح المادي) مايراه الصحافيون بأنه تدهور في الاداء الصحافي والمحتوى الصحافي ومستوى الصحافيين وذلك لعدة اسباب ومن بينها ان الادارات الصحافية.
- ويحدث هذا على المستوى العالمي- صارت تعطي تعليمات للصحافيين بأن يتوخوا الحذر الشديد عند تناولهم أخبار وموضوعات ذات علاقة وصلة بأصحاب الاسماء الكبرى من رجال المال والأعمال والتجارة خوفا من اثارة حنقهم وغضبهم وفي ذلك مغامرة لا تريدها الصحف وهي ضياع فرص شراء صفحات الاعلانات من قبل هؤلاء التجار.
في الولايات المتحدة الاميركية مثلا، كلما زادت مساحة وانتشارالمؤسسة الإعلامية بضمها صحفاً ومحطات تلفزيون ومحطات اذاعة اضافية، بالاضافة الى شركات تجارية وغيرها فيما يعرف بظاهرة زالتكتلس ، كلما ازدادت فيها مفاهيم التسلط والتحكم بالصحافيين وكلما صار توجهها تجاريا.
وتقوم ادارات هذه التكتلات الإعلامية بتدريب مدرائها في أقسام التحرير بنفس الكيفية التي تدرب بها باقي المؤسسات التجارية كوادرها ومسؤوليها.. ويكون التركيز في تدريبهم على كيفية تحقيق الربح المالي بدل تدريبهم على كيفية أن يكونوا صحافيين ويقوموا بادارة محررين ناجحين ومؤثرين في قضايا مجتمعاتهم ومستقبلها.
وتكمن خطورة سيطرة الجانب التجاري على الإعلام في حقيقة ان الصحافيين أنفسهم يبدأون بتبني مفاهيم وقيم تجارية ومادية من خلال تدريبهم على عدم المساس بأصحاب المصالح من رجال الاعمال والتجار.
وهنا تبدأ القيم المادية بغزو غرف الأخبار والتحكم في أقلام العاملين من المحررين والإعلاميين دون قصد أو شعور من البعض في حين يستمتع البعض الاخر باقامة علاقات مع رجال المال والاعمال وارضائهم من خلال المادة الصحافية لأنهم يتطلعون بدورهم الى مكاسب مادية وسيارات فارهة وأرصدة عالية..وعندها يجد الصحافي نفسه ضعيفا ولا يقوى على انتقاد حتى (فراش) المسؤول الكبير او رجل الاعمال.
ويفتح التداخل بين الإعلام كخدمة والإعلام كتجارة باب السؤال فيما ان كان المشاهد أو القارئ قد تحول حسب لغة الاعمال الى «مستهلك» وبذلك تتحول الاخبار لتصبح «خدمات للمستهلكين» وعلى هذا المنوال يكون الصحافي هو «البائع»®.
الا ان المستهلك هنا ليس القارئ او المشاهد لأن الإعلام في غالبه يقدم خدمه مجانية عبر الراديو مثلا او التلفاز او حتى الانترنت وحتى لو اعتبرنا الصحف سلعة يدفع القاريء مقابلا لشرائها فهو مقابل رمزي ليس الا..
خلاصة القول هو ان الإعلام مهما تشابه في جزء منه مع العمل التجاري الا انه سيظل مختلفا عنه في جوهره وروحه، والقارئ والمشاهد ليسا مستهلكين وانما مشاركين في الخبر وفي المعلومة وفي ردة الفعل، والصحافي لن يتحول الى بائع لأنه لايبيع الخبر للقاريء بل يبني معه جسراً من التواصل معتمدا على القيم الصحافية والاخلاق المهنية..
ولا يمكن بناء هذا الجسر وهذه العلاقة الا بالمصداقية وعدم المجاملة وعدم الخوف، وبعد بناء هذه العلاقة بين الصحافي والقارئ يصبح الدرب مفتوحا لكسب المعلن الذي هو المستهلك الحقيقي الذي تباع له مساحة الاعلان مقابل مبلغ من المال..
Heyamm@albayan.ae
مديرة ادارة التطويرـ البيان