عقد المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن مؤتمره العام السابع في مدينة عدن في ظل غياب حوار القضايا والأفكار التي يمكن ان يخرج بها المؤتمر الأكبر من حزب والأقل من وطن حسب وصف امينه العام الارياني.
مضى ربع قرن من الزمان على تأسيس المؤتمر فمنذ العام 1980 جرت مياه كثيرة في الحياة اليمنية. فقد توحد الوطن المشطور. وكانت الوحدة اهم انجاز وطني يتحقق منذ مئات السنين. المدماك الذي قامت عليه الوحدة ـ الحوار ـ انتهى بحرب 94 لتعود اليمن سيرتها الأولى في الاحتكام إلى السلاح لحل قضايا الخلاف السياسي بين الاخوة.
وانفراد المؤتمر الشعبي العام بالكعكة بعد إقصاء الحزب الاشتراكي ـ الطرف الثاني في المعادلة.كان الاعلان عن تأسيس المؤتمر الشعبي العام بداية تطور مهم في الحياة السياسية في الـ ج. ع. ي، فهو بداية التغاضي عن العمل السياسي ـ الحزبي - الذي كان مجرما بحكم الدستور.
وكان الحزب الاشتراكي يحتكر الحزبية في الجنوب وله امتداد واسع في الشمال. وكانت المنافسة بين الجبهة الوطنية الديمقراطية المسنودة بالجنوب والجبهة الاسلامية المدعومة من الشمال غالبا ما تتخذ شكل المواجهات والصدامات المسلحة خصوصا في لواء اب وبعض مناطق تعز والبيضاء.
فجاء المؤتمر بمثابة انفراجة سياسية. وتمثلت فيه كل الاطراف السياسية المستترة: البعث، الناصريون، الماركسيون. ولكن الإخوان المسلمين كانوا الحلقة الرئيسية في قيادة المؤتمر.
كانت الصيغة مبتكرة وجديدة. فهو ليس حزبا وليس جبهة اخرى أيضا. كما ان صيغة المنابر داخله ليست واضحة فهو مزيج من أكثر من شكل. واهم ما انجزه انه ادار حوارا سياسيا واسعا امتد إلى مختلف مناطق الـ ج. ع. ي.
وبين مختلف أطراف العمل السياسي. وتوج الحوار باقرار الميثاق الوطني الذي مثل صيغة توفيقية للعمل السياسي والإقرار بمبدأ التحاور. والاهم ان الحوار السياسي قد مثل انحسارا للخيار العسكري الذي وأد السياسة وجمد العقل.
ما ان اعلنت التعددية السياسية في الـ 22 من مايو حتى انفض السامر. فقد خرج الطرف القوي ( الإخوان المسلمون ) إلى تجمع الإصلاح. وعاد الاشتراكيون والقوميون: البعث والناصري إلى أحزابهم. ولكن المؤتمر ظل يضم العديد من كل هذه الإطراف مع غلبة واضحة للمستقلين والعضوية الجديدة.
عضوية المؤتمر الجديدة هلامية إلى حد بعيد. فقد كسبت بطريقة ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ). وحل المال العام والوظيفة العامة والنفوذ محل الإقناع والالتزام، ووصلت عضوية المؤتمر إلى مليوني عضو بمعنى عشر السكان. وثلث القوة الناخبة التي تصل إلى ستة ملايين.
اندغام هذا العدد الضخم بجهاز الدولة نقطة الضعف الخطيرة في الحياة السياسية والعامة. فهو اعادة لإنتاج الشمولية واستمرار لهيمنة ادارة الدولة الفاسدة والمستبدة على الحياة. كما أن تماهي المؤتمر وتوحده بالإدارة يصبح عائقا أمام التطور السياسي. ويشكل هدراً للموارد الشحيحة أصلا. وسبيلا لإحلال الولاء محل الكفاءة وصورة كاريكاتورية لدكتاتورية الحزب الواحد.
ما يعيب هذا الحزب الكبير اميته الأبجدية السائدة وغياب التسييس وقلة الاهتمام بالشأن العام. فالمؤتمريون مواطنون في نهاية المطاف والأزمة العامة تطالهم كما تطال أهاليهم ومناطقهم. لن يرافق المؤتمر أو تسبقه اية حوارات أو مساجلات عن القضايا والهموم المطروحة على المؤتمر. فالمؤتمر اقرب للاحتفال والمهرجان أكثر من اي شيء اخر.
ولاشك ان قضية ترشيح الرئيس نفسه حتى وان لم تطرح على المؤتمرين فقد كانت الأكثر حضورا. فالمؤتمريون بدون صالح يبدون مجرد اصفار على الشمال.
وواضح ان قضايا الإصلاح هي الأخرى قد أخذت الحيز الأكبر في مداولات المؤتمريين، فزيارة صالح لأميركا تحديدا قد فتحت عينه على مدى خطورة الأوضاع الملغومة بالفساد. فالدولة التي يحكمها المؤتمر اخذة في التراجع في مختلف مناحي الحياة.
صحيح ان ما قاله الأميركيون للسيد الرئيس يسمعه كل يوم وتلح عليه الصحافة الحزبية والأهلية المقموعة. ويستطيع الحزب الحاكم مشاهدة فصوله الاربعة في المجاعة الشاملة وتفشي الاوبئة الفتاكة وازدهار الأمية والجريمة وتجارة السلاح.
والسؤال الأكثر تراجيدية هل يواجه الرئيس حزبه أو هل يستطيع المؤتمريون مواجهة قيادتهم ورئيسهم بأوضاع مناطقهم القابلة للاشتعال في اية لحظة ؟!
كاتب يمني