أطفئت أضواء المؤتمر الوزاري للمنظمة العالمية للتجارة الذي انعقد بمدينة هونغ كونغ أواسط هذا الشهر بحضور 148 ممثلاً للدول الأعضاء وبدأت التداعيات الخطيرة لقرارات المؤتمر تهز اقتصادات الدول وتحرك المياه الراكدة في المبادلات التجارية.
ولكن التأثير الأخطر في المستقبل المنظور هو الذي سيغير من ثوابت القطاع الزراعي وهو القطاع الذي يضمن بقاء الإنسانية بالغذاء، ويضمن كذلك هيمنة البلدان المنتجة للزراعات الكبرى على مصير الشعوب بواسطة سلاح الغذاء: السلاح الأخضر. وقديما قال العرب ان لا خير في أمة تأكل ما لا تزرع وتلبس ما لا تنسج.
وشكلت الزراعة أبرز ملف الخلافات بين الكتل العملاقة وبين البلدان المتخلفة صناعيا وتكنولوجيا. وحتى نستوعب ما حصل في هونغ كونغ لا بد من العودة إلى المؤتمر الرابع للمنظمة في الدوحة عام 2001، فقد تقرر في دولة قطر آنذاك الشروع في المفاوضات بين الدول في المجالات الثلاث وهي:
1- تحرير الأسواق الزراعية من قيود الجمارك والقوانين الوطنية للدخول بالزراعة في نواميس العولمة.
2- تخفيض الضرائب عن المبادلات الصناعية عبر دول العالم.
3- فتح أسواق الخدمات وضمان انتقالها بحرية من دولة إلى أخرى.
وتبقى الزراعة هي أم القضايا المطروحة بلا منازع لأن الملفين الآخرين (الصناعة والخدمات) اتجهت فيهما المنظمة من خلال المفاوضات والاتفاقيات الدولية إلى ما يشبه الوفاق، بينما ظلت الزراعة تراوح مكانها على رقعة الشطرنج الإستراتيجية العالمية.
وهي التي كانت العقبة الكأداء في مؤتمر هونغ كونغ. فالخلاف الأكبر كان ما بين الدول الغنية المصدرة للمواد الزراعية مثل فرنسا والدول الصاعدة مثل البرازيل.
فبينما تتمسك الدول الغنية بضرورة تقديم مساعدات حكومية لمزارعيها تنادي الدول الصاعدة بإلغاء تلك المساعدات لأنها تعرض منتجات بأسعار مزيفة تنافس منتجات هذه البلدان الصاعدة التي تعرض منتجاتها بأسعار التكلفة الحقيقية دون مساعدة مزارعيها بالمنح والتسهيلات.
وهنا اضطرت الدول المئة والثماني والأربعون إلى حل وسط عرضه المدير العام للمنظمة باسكال لامي يتمثل في تحديد أجل إلغاء كل المساعدات في عام 2010 بالرغم من غضب فرنسا. والذي يعيش في فرنسا ويعرف خلفياتها يدرك لماذا تتزعم باريس حركة الإبقاء على المساعدات الممنوحة للمزارعين.
والسر هو قوة النقابات في هذه البلاد وأقوى النقابات هي التي تضم المزارعين، بالإضافة إلى أن حركة الاحتجاج العالمية ضد الزراعات المعدلة وراثيا انطلقت من فرنسا.
حيث قام الزعيم النقابي الفرنسي الشهير جوزي بوفي بتدويل حركته المناهضة لما يسميه أمركة الزراعة بتعميم الذرة المعدلة وراثياً والتخلي عن الزراعات التقليدية. وهو ما ينذر بكارثة حسب هؤلاء على صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
والزعيم بوفي هو رئيس فيدرالية المزارعين الفرنسيين والحاضر دائما في مؤتمرات أصحاب مبدأ العولمة الأخرى أو (العولمة المختلفة) الذين ينظمون المظاهرات القوية في كل مناسبات مؤتمرات المنظمة العالمية للتجارة، كما وقع في سنغافورة(1996) وجنيف (1998) وسياتل (1999) والدوحة (2001) وكنكون (2003) وأخيرا هونغ كونغ ( من 13 إلى 18 ديسمبر2005).
وكان / بوفي النقابي ذو الشارب الكثيف هو الوجه الأبرز في هذه المظاهرات وهو الناطق باسم المناهضين للعولمة الشرسة والمغرقة في الليبرالية والداعين إلى عولمة اجتماعية تراعي حقوق الطبقات الكادحة وتعدل ما بين الشعوب ولا تمعن في فرض هيمنة اقتصاد السوق وسيطرة الشركات متعددة الجنسية العابرة للقارات على مقدرات وثروات الأمم.
والسبب الثاني لحماس باريس هو أن فرنسا تتلقى مساعدات من الاتحاد الأوروبي لمزارعيها منذ عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر التي أيدت الطلب الفرنسي في ذلك الزمن وظلت الزراعة الفرنسية تتقاضى تلك الإعانة الأوروبية إلى اليوم حتى بدأ توني بلير يخطط ويناور لإلغائها بحجة أن أسباب اسناد تلك الإعانة لم تعد قائمة.
وشكل هذا الأمر خلافا وصل إلى نوع من الحدة بين باريس ولندن. وهذا الأسبوع انضم رئيس الاتحاد الأوروبي جوزي مانويل باروسو إلى جوقة الداعين إلى إلغاء المساعدات للزراعة.
ولكن ضمن إطار بروكسل وتحت غطاء هياكل الاتحاد الأوروبي، قائلا ان الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا هي أيضاً خارجة عن منطق ومبادئ المنظمة العالمية للتجارة حين تقدم مساعدات غذائية لبعض البلدان وحين تسن قوانين ظاهرها لتعزيز التصدير وباطنها لمساعدة المزارعين.
وهنا وفي صلب هذا الموضوع أرى من واجبي التطرق إلى أوضاع الزراعة في عالمنا العربي وقد وصفها آخر تقرير صادر عن البنك العالمي وأيضا عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية بأنها أوضاع متخلفة في الجملة ولم تقتحم بعد عتبات التصنيع والتكنولوجيا والبحث العلمي.
وأعتقد أنني لا أبالغ حين اصف حياة المزارعين في بعض البلاد العربية بأنها تواصل أساليب إنسان ما قبل التاريخ في بعض الأحيان وتتقهقر بحياة الزراعة آلاف السنوات إلى الوراء.
وأعتقد بأن للتربية والتعليم رسالة لم تقم بها في أوطاننا حين غرست برامجنا التعليمية في أذهان أجيالنا صورة الفلاح المتخلف والجاهل في مقابل الموظف المتعلم فغرسنا دون أن ندرك عقلية احتقار الأرض واللهاث وراء التوظيف الحكومي، بل وأصبح في أغلب بلداننا التعليم الزراعي مخصصا للطلبة الساقطين في التعليم العام بينما هو مخصص في فرنسا مثلا للمتفوقين!
إنها أم المخاطر أن نفرط في القطاع الزراعي الحيوي ونرضى بمذلة مد الأيدي لتغذينا الأمم الأخرى حتى لو كنا أغنياء اليوم، فالعبرة ليست بما لدينا من ثروة بل الخير في أن نعلن يوما ما استقلالنا الغذائي وهو الاستقلال الأبقى والأرقى.
كاتب تونسي