شارف مجلس التعاون الخليجي على استكمال ربع قرن على نشأته ليحصل على يوبيله الفضي وليطفئ شمعته الخامسة والعشرين (مايو المقبل) بعد مسيرة حافلة في العمل الخليجي المشترك، وقد انتهى تواً من قمته «السادسة والعشرين» في أبوظبي.

لا أحد ينكر ان المجلس وعلى امتداد المسيرة الطويلة حقق انجازات سياسية واقتصادية وأمنية وإعلامية وثقافية مشتركة، وليس بوسع أحد أن يجادل في نجاح المجلس في قيادة سفينة التعاون ـ وسط رياح حرب هوجاء عاتية رافقت ظروف النشأة والولادة ـ للوصول بها إلى برّ الأمان، ولا يمكن الانتقاص من دور المجلس في الحفاظ على الوضع الحدودي القائم بين دوله ودول الجوار.

وكذلك لا جدال في نجاح المجلس في ترسيخ النظام الأمني الخليجي عبر سياسات «الواقعية العقلانية» والتحالف الاستراتيجي مع القوى الكبرى وعلى رأسها «أميركا».

ولكن يبقى أن نقول إن أعظم نجاحات المجلس هو، نجاحه ـ خاصة ـ في حماية «الجسم الخليجي المشترك» من غزو الطروحات الثورية المغامرة.

وفي وقايته من تأثيرات الايديولوجيات الشمولية المخربة وفي تصديه لأوهام الشعارات القومية الفاشلة وفي استعصائه على دعوات الإسلام السياسي الغارقة في الخيال، تلك الطروحات التي فتكت بدول عريقة وأهدرت ثرواتها ومواردها واستباحت كرامة مواطنيها عبر السجون والمعتقلات.

يقول عبدالله بشارة في سفره الخليجي الضخم: «الخليج هو الجزء السليم الصحي في الجسم العربي» وتلك حقيقة يعترف بها حتى «الثوريون» أعداء الأمس. ومع ذلك وبالرغم من تلك المنجزات والنجاحات دعونا نتساءل مع الكثيرين: لماذا أصبح الخليجيون غير متحمسين للمجلس؟! لماذا فقد المواطن الخليجي اهتمامه بالقمم الخليجية؟!

لماذا أصبحت بيانات القمم لا تستثير حماسته؟ كي ف تبددت شعلة الحماسة الغامرة ومظاهر الفرح والبهجة التي كانت تعم الفضاء الخليجي قرب انعقاد القمم الخليجية؟!

هناك من يفسر الأمر بغياب المؤسسين الأوائل الذين أصبح معظمهم في رحمة الله ورضوانه، وهناك من يرجعه إلى غياب الدور الشعبي في الشأن المشترك وانعدام دور المواطن الخليجي في شؤون المجلس، وكما يقول بشارة:

هناك قرارات لا ترى النور بسبب غياب آليات المحاسبة. وصحيح أن قمة الكويت 1997 قررت إنشاء «الهيئة الاستشارية» إلا أن عملها وحتى بعد (9) سنوات لم يرقَ إلى أكثر من تقديم مرئيات في مواضيع محالة إليها، ولا دور «رقابي» لها وقد كان الأمل في تطوير الهيئة لتصبح «برلماناً خليجياً موحداً» ولم يتحقق.

لاشك ان غياب الدور الشعبي وكذلك غياب المؤسسين، مؤثران لكن ذلك ليس العامل الأهم، ففي تصوري العامل الأهم، وراء فتور الحماسة الشعبية لإنجازات المجلس، هو ان بيانات القمم الخليجية أصبحت روتينية، شبه «مستنسخة» عن بيانات «القمم العربية» نفس القضايا، نفس الموضوعات، نفس الهموم والاهتمامات العربية، قضايا الصراع والسلام مع إسرائيل، قضايا الاحتلال والانسحاب، خلو الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، خلافات لبنان مع سوريا، أوضاع السودان، هوية العراق ووحدة أراضيه.

وقد أشار إلى هذا الأمر «عبدالراحمن الراشد» في «عموده اليومي» في الشرق الأوسط 20/12 «قمة خليجية بشؤون خارجية» وكان قد نبه إليه قبل سنتين في عمود بعنوان:(ما قيمة المجلس إذا جاءت منظمة التجارة؟) وقد مرت إشارته بدون تعليق أحد.

يقول الراشد «بمراجعة بيانات (25) قمة، نكتشف كيف مر (25) عاماً بأفكار تعاون عظيمة لكن بإنجازات متواضعة، فالوفود الخليجية لا يشغلها إلا النووي الإيراني وأزمة العراق والصراع اللبناني السوري والقضية العجوز الاحتلال الإسرائيلي، وبمثل هذه القضايا يستحيل على أية قمة أن تتفرغ لقضايا الجمارك والرخص التجارية والكهرباء والمياه والبطاقة الشخصية.

إن إنجاز الاتحاد الجمركي أهم من نقاش القضية الفلسطينية وتوحيد الربط الكهربائي أجدى من الحديث في الموضوع العراقي، والتعاون في مجال الموارد البشرية أهم من الإشكال اللبناني السوري ترى لماذا تشغل القمة الخليجية (نفسها) بأجندة شرق أوسطية ثقيلة؟ ولماذا لا تدع قضايا العرب العالقة والمزمنة للجامعة وأمينها النشط؟!

ما زالت بيانات القمة الخليجية تشكو من طغيان الهم العربي على الخليجي!! وما زالت شؤون وشجون العرب تشغل المساحة الأكبر فيها وتحظى بالاهتمام الأكبر.

وأزعم أن ذلك الطغيان وهذا الانشغال بالهم العربي هما السبب الأهم في تباطؤ مسيرة الانجاز الخليجي المشترك، ولو تفرغ المجلس وقمته للشأن الداخلي لحقق إنجازات أعظم وأسرع ولكسب حماسة الخليجيين. إذ لا يعقل بعد (25) عاماً.

ومع توافر كل الإمكانات والموارد والطاقات، وفي نطاق (6) دول تتشابه وتتقارب في كل شيء، ومع تعداد سكاني لا يتجاوز (32) مليوناً ومع توافر النيات الصادقة ـ ألا ينجز المجلس ثمرات عملية يلمسها المواطن على الصعيد المشترك، تسهل حياته، وتتيح ـ إنسياباً سلساً سريعاً ـ له ولأمواله واستثماراته وسلعه بين أقطار مجلس التعاون.

وكل الذرائع المبررة لهذا الوضع المعوق غير مقبولة، ومع تقديرها لدور الأمانة العامة في تذليل كثير من المعوقات والعقبات في التبادل التجاري إلا أن الأمر بحاجة إلى علاج أكبر، إذ ما زال تعزيز مفهوم «المواطنة الاقتصادية الخليجية» بعيد المنال في ضوء صدور تشريعات في دول خليجية تزلزل مبدأ »المواطنة» و«الانتماء» وتصنف المواطنين درجات!!

وليس مهماً توحيد العلم والعُملة ولا حتى الجوازات ولكن المهم حقاً اختفاء الجوازات في المنافذ والمطارات ومن المهم جداً حصول الخليجي أينما حلّ أو ارتحل في أقطار التعاون نفس حقوق المواطن فيما يتعلق بالتوظيف والاستثمار والتجارة والتملك والاستيراد والتصدير وتجارة الأسهم.

مازالت القيود شديدة والسوق الخليجية مؤجلة إلى ما بعد سنتين ومشاريع الربط والترابط قيد الدراسة ومؤخراً تم تمديد الفترة الانتقالية للاتحاد الجمركي لنهاية 2007.

التعاون أساسه اقتصاد، وهو اللبنة الصلبة التي توّحد الشعوب لا القضايا السياسية ولا الإعلام ولا التعليم ولا حتى الأمن المشترك. وما لم نسارع في خطوات التكامل الاقتصادي بحيث يلمس المواطن الخليجي ثمرات العمل المشترك فإن إيمانه يبقى مزعزعاً وحماسته تظل فاترة. وكل ذلك يتطلب تفرّغ المجلس للشأن الخليجي وحده وليترك المجلس الهم العربي جانباً ـ مؤقتاً ـ ريثما يستكمل بناء البيت الخليجي.

فهل نأمل في قمة تقتصر أجندتها على الشأن الخليجي وحده؟

ماذا ينتظر المجلس؟ هل ينتظر منظمة التجارة العالمية التي ستوثق اتفاقياتها بدول المجلس فتحقق ما عجز عنه المجلس من فتح للأسواق الخليجية وكسر لحواجزها الجمركية ورفع لقيودها وتوحيد لتشريعاتها ومحاكمها؟!

حينئذ نتساءل كما تساءل الراشد من قبل: ما قيمة المجلس اذن؟! وتتحقق نبوءة البغدادي بانتهاء صلاحية المجلس كما انتهت صلاحية جامعة الدول العربية! وهذا ما لا نريده ولا نتمناه.

كاتب قطري