«الكون له خالق» هذا القول يخالف الدستور الأميركي، وإذن يطرأ سؤال: هل يعلو الدستور في الولايات المتحدة على العقيدة الدينية المسيحية؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ومن أجل ماذا يحتفل المسيحيون الأميركيون بذكرى مولد النبي عيسى بن مريم عليه السلام؟
للحديث مناسبة تتعلق بشيء يطلق عليه في الولايات المتحدة «نظرية التكوين الذكي للكون» وهذه العبارة اللفظية المعقدة يمكن تبسيطها في قولة «الكون له خالق».
لقد رفعت مجموعة من الناشطين المسيحيين في الولايات المتحدة دعوى قضائية يطالبون فيها بالسماح بتدريس «نظرية التكوين الذكي للكون» على تلاميذ وطلاب المدارس الحكومية الأميركية، ومفاد النظرية أن هذا الكون بعظمته وتعقيداته المركبة مع الدقة المتناهية لنظامه لا يمكن أن يكون قد خلق نفسه بنفسه.. فهناك إذن «قوة ذكية عليا» هي التي أوجدته وتقوم على إدارته.
لاحظ أن هؤلاء النفر من المسيحيين المؤمنين حرصوا في دعواهم على استخدام المنطق وليس العقيدة وهم أمام محكمة علمانية لا تعترف إلا بقوانين وضعية ومع ذلك أصدر القاضي حكماً برفض الدعوى وما استند إليه القاضي في حكمه هو أن هناك مادة معينة في الدستور الأميركي تقضي بفصل الدين عن الدولة.
فقد اعتبر أن نظرية «التكوين الذكي» ذات منشأ ديني. والسؤال الذي يطرح هو: ما هي المرجعية النهائية التي يعتنقها المواطن المسيحي الأميركي: بنود الدستور الأميركي أم تعاليم النبي عيسى بن مريم عليه السلام؟
غير أن السؤال الأكبر هو: ماذا يعني مبدأ «فصل الدين عن الدولة»؟
بدأت القصة في «عهد التنوير الأوروبي» باعتماد مبدأ فصل مؤسسة الكنيسة عن جهاز الحكم ولكن بمرور الزمن توسع المبدأ ليكون فصم الدين عن المجتمع العريض بما في ذلك فصم العقيدة الدينية عن مناهج التعليم في المدارس. هذا بدوره يفرز تساؤلاً آخر: هل تبقى لدى الفرد الغربي المسيحي عموماً أي مرجعية أخلاقية عليا؟
من الثابت أن القيم الأخلاقية المستمدة من العقيدة المسيحية تلاشت تماماً لتأخذ محلها منظومة قيم النظام الرأسمالية. وهي قيم مادية صرف، تتجسد في تقديس الاقتناء المادي بغض النظر عن الوسيلة من ناحية و«الحرية الشخصية» من ناحية أخرى.
ومن شأن كليهما تعظيم الجشع والإسراف الاستهلاكي المادي وبالتالي توسع الأسواق ويدخل في تصنيف الحرية الشخصية إشاعة الإباحية الجنسية غير أن المصيبة الأعظم تتمثل في أن التحلل من الدين في المجتمعات الغربية بلغ درجة إنكار الخالق ـ أي الإلحاد!
ومن هنا يتولد سؤال أخير: على أي أساس تبعث المجتمعات الغربية قادتها السياسيين والفكريين في محاربة الشيوعية باعتبار أنها فكر إلحادي؟