عنف الخطاب وصدام الاستراتيجية ـ ناصيف حتي
أخذ الصدام الأميركي الإيراني شحنة قوية على صعيد الخطاب العقائدي التعبوي مع الرئيس أحمدي نجاد. خطاب يحاول أن يعطي المشروعية للاستراتيجية الإقليمية الكبرى لكل منهما.
واشنطن تريد «نشر الديمقراطية» في الشرق الأوسط الموسع وطهران تقدم نفسها «كمبشر عالمي وحامل الإسلام الحقيقي» في «الشرق الأوسط الإسلامي».
المفارقة شديدة الإثارة أن العراق الذي شهد تناغما صامتا بينهما أو نصف تحالف في البداية، بدأ يهتز بشدة حاليا، العراق شكل المدخل لكل منهما لاستراتيجيته الإقليمية وتحديدا مع الفراغ والفوضى اللذين أحدثهما سقوط الدولة العراقية وفي الطريق نحو بناء الدولة الجديدة.
أهم سمات الحرب الباردة الأميركية الإيرانية التي تتغذى على بعض الصراعات والأزمات وتغذيها في الوقت ذاته ما يلي:
أولا ان المنطقة العربية هي ساحة الصراع الرئيسي أو المسرح المركزي إذا استعرنا تعبيراً من الحرب الباردة الأميركية السوفييتية، لهذه المواجهة.
النظام الرسمي العربي هو المعني بهذا الصراع وهو الغائب الأساسي عن القيام بدور لاحتوائه. وفي هذا السياق تبرز أيضا مفارقة مثيرة وهي أن النظام الرسمي العربي يقف مع واشنطن خائفا من تصاعد القوة الإيرانية معطوفة على عودة الراديكالية في طهران.
ولكن دون أن يستطيع أن يعبر بشكل كبير عن هذا الانحياز بسبب الصورة السلبية لواشنطن في المنطقة وثقل التحالف العلني معها، في حين يتعاطف النظام المجتمعي العربي مع خطاب الممانعة والمشاكسة الإيرانية وينحاز إليه ضد واشنطن، دون أن ينحاز بالضرورة إلى النظام الإيراني.
ثانيا يبدو أن التصعيد الإيراني الكبير ضد إسرائيل، القائم على خطاب «المراجعة» الذي يدعو إلى محو إسرائيل من الخريطة أو نقلها إلى أوروبا والتشكيك بالمحرقة يعبر عن سياسة محسوبة رغم إدراك التكلفة السياسية والدبلوماسية للمس بهذه «المحرمات» في السياسة الدولية بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا وحتى للنظام الدولي.
إذ أن رفع سقف المواجهة أو الاشتباك السياسي إلى أعلى مستوى يساهم في الإمساك بالداخل الإيراني بشكل أفضل من خلال تحويل الاهتمام من الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي جاء أحمدي نجاد واعدا الطبقات المعدمة بحلها، إلى قضية عقائدية وطنية تخلق حالة من الاستنهاض الوطني والعقائدي.
وتحرم خصومه ومنافسيه وأعداءه من أوراق عديدة ضده في الداخل خاصة في لحظة الهجوم الدولي الذي يتعرض له. كما أن التصعيد ضد إسرائيل يكسب أحمدي نجاد في «المسرح» العربي إذ يلاقي خطابه صدى كبيراً في المزاج الشعبي الثقافي والسياسي العربي تجاه إسرائيل في ظل تصاعد الإسلام السياسي وتأزم الوضع الفلسطيني مع ازدياد العدوانية الإسرائيلية.
يلاقي التطرف في الخطاب قبولا أكبر وأوسع ويحرج أحمدي نجاد بذلك النظام الرسمي العربي مسجلا عليه نقاط في ملعبه مذكرا بعجزه أمام إسرائيل ودون أن يكلفه ذلك أكثر من خطاب حاد، ويسمح بكل حال في أن يبدو وفيا إلى أصل الثورة الخمينية على مستوى الخطاب والفكر.
ثالثاً تقترب إيران من نقطة اللاعودة في الملف النووي إذ تشير مختلف التقديرات إلى أن إيران ستمتلك قدرة مستقلة لتخصيب اليورانيوم خلال بضعة أشهر في أقصى حد مما يعطي إيران ورقة إضافية في محاولة فرض النموذج الكوري الشمالي على إدارة الصراع في الملف النووي مع واشنطن و أوروبا و القبول بالتالي بالواقع الجديد .
وبأن لا رجعة عن الخيار النووي المدني كما تقول إيران المفتوح لخيار عسكري. وإيران تدرك كما يعترف محمد البرادعي بأن لا حل عسكرياً لهذا الملف ولا حل عقابياً أو ردعياً قسرياً في مجلس الأمن طالما أن هنالك فيتو روسياً وصينياً شبه أكيدين. الملف النووي يزيد من حدة المواجهة وسخونتها السياسية والدبلوماسية.
ورغم المخاوف العربية المشروعة من إيران النووية لكن إدراج الموضوع في إطار شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل، يبقى خياراً أفضل على الصعيد الإقليمي العربي الإسلامي إذ أن طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي تساهم في تعقيد طرح الموضوع الإيراني وحده، على الصعيد العربي الإسلامي.
رابعا رغم وجود قدرة عسكرية أميركية كبيرة في الخليج وفي العراق إلا أنها تبقى محدودة التأثير الردعي طالما أنها موجهة لمستوى ونوع معين من التهديدات للأمن في الخليج، فإن اقتراب إيران من دخول النادي النووي وعودة منطق الثورة وتصدير الثورة ليستقر بقوة في الخطاب الإيراني الرسمي.
كما كانت الحال في بداية الثورة الإيرانية وخروج العراق من معادلة الردع المتبادل مع إيران، كلها عوامل خلقت حالة من الاختلال الحاد في ميزان القوى في الخليج لمصلحة إيران مما يستدعي مبادرة خليجية على الصعيدين الإقليمي العربي وكذلك الدولي لإحداث توازن مستقر في الخليج، فالخليج هو الأكثر انكشافا لمواجهة أميركية إيرانية، أيا كانت طبيعة تلك المواجهة.
خامساً استقر الدور الإيراني بقوة أكبر في دبلوماسية التسوية والصراع العربي الإسرائيلي عبر الدور الجديد لحزب الله في لبنان بعد تحرره من بعض الاعتبارات السورية السابقة لمصلحة أولوية الدور الإيراني على حساب الدور السوري .
ولو أن هنالك حالة من التلازم الكبير بين الدورين في المرحلة الراهنة، إلى جانب تظهير العلاقة التحالفية بشكل أكبر بين إيران من جهة وحماس والجهاد من جهة أخرى على الساحة الفلسطينية مما عزز وزن إيران ودورها المباشر في الصراع العربي الإسرائيلي.
كاتب لبناني