يبدو أن الرسالة التالية كانت موضوع حملة واسعة من قبل الأقليات العرقية في أميركا لنشرها على قطاع واسع من الجمهور الأميركي، وجاء فيها ما يلي: «هل شاهدت برنامج «أوبرا» حين استفسرت المذيعة من ضيفها «تومي هيلفجر» عن الاتهامات العنصرية المنسوبة إليه على غرار:

«لو كنت أعلم أن الأميركيين الإفريقيين، العرب، والآسيويين يشترون ملابسي، لما صممت ملابس بهذا الجمال.. أتمنى لو أنهم لا يشترون ملابسي فهي ليست مصنوعة لهم وإنما للأشخاص ذوي البشرة البيضاء أصحاب المناصب الرفيعة».

«أوبرا وينفري» مذيعة تلفزيون أميركية سمراء لها شعبية واسعة جدا في بلدها وخارجه أما تومي هيلفجر فهو مصمم أزياء واكسسورات أميركي عرف بعنصرية مفرطة ضد الأقليات. أتعلمون ماذا فعلت المذيعة السوداء بمصمم الأزياء الأبيض عندما أجاب بـ «نعم» على استفسارها؟ طلبت منه مغادرة الاستوديو.. أي طردته من البرنامج أمام ملايين المشاهدين.

أوبرا لم تفعل ذلك إكراما لعيون العرب أو تطييبا لخاطر الأميركيين المنحدرين من أصول غير بيضاء أو الأقليات الأخرى التي شملها «هيلفجر» في مناشدته لهم بالابتعاد عن ملابسه خوفا من تدنيسها.. كلا أوبرا غير معنية بهؤلاء وأولئك، وإنما معنية بأبناء جلدتها!

ومن يتابع أنشطة المذيعة السمراء الاجتماعية سيدرك أنها منحازة لبني بشرتها، وهي لا تخفي ذلك، ولا تتردد في إظهار اعتزازها بأصولها الإفريقية. وظني أن الإعلامية المشهورة، أخذا في الاعتبار ما أشرتُ إليه سابقا، استضافت «هيلفجر» وفي ذهنها الانتقام منه علنا أمام الملايين من متابعي برنامجها الشهير الذي يحمل اسمها «أوبرا وينفري».

فعندما طرحت عليه السؤال لم يكن بقصد الاستفسار أو إعطائه فرصة لنفي الاتهامات المثارة ضده أو اعتبار ما نُقل عنه مجرد «زلة لسان» فالرجل لا يخفي عنصريته ولا إيمانه بتفوق العنصر «الأبيض» على سائر البشر.

وأوبرا تعرف جيدا أن ضيفها عنصرياً متطرفاً، بل إنه يستمد عنصريته، التي تجلت في مناشدته لفئات من مواطنيه الابتعاد عن ملابسه التي صممها للبيض فقط، من فكر أسلافه أتباع منظمة «كو كلوكس كلان» التي كانت تمنع الزنوج من استخدام المرافق العامة التي يرتادها البيض.

والتي تأسست في الأربعينات من القرن الماضي وكانت تستقي فلسفتها، وطقوسها، وأساليب عملها من مفهوم «تفوق العنصر الأبيض على سائر الأجناس البشرية»، واستهلت أنشطتها عام 1946بحملة عنصرية لحرمان الزنوج من احد أهم حقوق المواطنة ألا وهو الاقتراع في انتخابات اختيار حاكم ولاية جورجيا الجنوبية.

ويبدو أن أوبرا.. المرأة السوداء لم تنسَ ما تعرض له أهلها في الجنوب الأميركي خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فأرادت الانتقام وأخذ الثأر «البايت» ـ وأحسنت انتقاء المكان ـ لخمسة زنوج قتلوا شنقا خلال أحداث انتخابات جورجيا على يد أفراد تلك العصابة..

جريمتهم الوحيدة كانت النضال من أجل المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين الأميركيين من مختلف الأعراق، وقُتل بعدهم مئات من الزنوج من بينهم داعية حقوق الملونين القس «مارتن لوثر كنغ».

«هيلفجر» ليس أول شخصية عامة تعلن وعلى الملأ احتقارها للعرب، ويشملهم ضمن آخرين يظن أنهم أقل من أن يكونوا في مصاف من يرتدي ملابسه، وليس ببعيد عن مرمى الذاكرة ما قاله يوما المغني الذي استبدل بشرته السمراء بواحدة بيضاء وتنصل من أبناء جلدته قلبا وقالبا بعمليات تجميل لا حصر لها فغدا «مسخ إنسان»®. لا أصل له ولا لون، والذي قال «إنه يتمنى لو أن العرب والمسلمين يتوقفون عن سماع أغانيه فهو لم يلحن ولم يرقص أو يغن لهم».

ويبدو أيضا أننا نسينا ما قاله الحاخام الصهيوني عوفاديا يوسف الأب الروحي لليهود الذي اصدر فتوى شبه فيها العرب بالأفاعي والحشرات القذرة ودعا إلى تطهير «الأرض المقدسة» منهم.

ولتوضيح المفارقة التي تؤكد مدى استهتار الآخر بنا أورد قصة الفتاة الفرنسية «ماري ليوني لابلانك» التي ادعت أنها تعرضت للاعتداء من قبل ستة شبان وصفتهم بأنهم «عرب من شمال إفريقيا».

هذه الحادثة أثارت الدنيا في باريس ولم تقعدها، فقد تبارى السياسيون والإعلاميون على إدانة الشبان العرب وطالبوا بإنزال أقصى العقوبات بهم، واستغل المغرضون الـ «جريمة» المفترضة لمطالبة الحكومة بإعادة النظر في قوانين الهجرة واللجوء، ولم تفتْ الصهاينة والمتصهينون من الفرنسيين الحادثة لتأكيد ما كانوا يحذرون منه ألا وهو زيادة «العداء للسامية».

ثم تبين أن قصة الهجوم الذي تعرضت له الفتاة كانت كذبة كبيرة اختلقتها بمساعدة صديقها، فقدمت الفتاة اعتذارا لرئيس الجمهورية والمسؤولين ولكل الفرنسيين الذين عبروا عن مساندتهم لها! المستغرب في الأمر أن الاعتذار لم يقدم لمن يستحق أن يقدم له الاعتذار.. أولئك الذين اتهموا زورا بارتكاب جريمة لم تقع.

قد لا يكون للشباب الستة وجود كأفراد، ولكن الأقلية العرقية التي ادعت الفتاة انهم ينتسبون إليها موجودة. وكان الأجدر بها وبالسياسيين والإعلاميين الذين اشتركوا معها في توجيه الاتهام وارتفعت أصواتهم منددة ومطالبة بإنزال أشد العقوبات بالشباب الستة الاعتذار للـ «عرب والمسلمين» في فرنسا.

ولا غرابة إذ ذاك أن يصبح العربي أينما كان «ممسحة» لكل يد قذرة أو لسان سليط. وما قاله المصمم، والحاخام، والمغني وما دعته الفتاة الفرنسية ليس سوى عينة من إهانات واتهامات وأكاذيب تلصق بنا من دون أن تجد من يتصدى لها!

أليس مثيرا للقلق أن توجه أصابع الاتهام إلينا أولا كلما شبت نار في مستودع للمحروقات أو تعرضت فتاة للتحرش في محطة قطار، ونحن لا نحرك ساكنا، وكأننا أصبحنا فعلا خارج التاريخ وما يجري لنا لا يعنينا؟!

كاتب عماني