في البدء لابد من تهنئة منسوبي حزب المؤتمر الوطني على فوزهم في انتخابات المزارعين واتحاد المحامين، والإقرار في نفس الوقت أن الهزيمة مستحقة ولابد أن تثير انتباه المعارضين لأن هذه بروفة ناجحة للانتخابات العامة.

وبعد الشعور بالفرح أو الخيبة علينا أن نتوقف عند دروس هذه الانتخابات والاستفادة منها في عملية إنجاز تحول ديمقراطي وعميق يفضي إلى قيام ديمقراطية مستدامة ومحصنة ضد الانقلابات وضد التسيب والترهل في الممارسة.

وقد أكد قيام هذه الانتخابات أن التعددية مهما كانت عيوبها هي الخيار الوحيد للشعب السوداني المتنوع والمتعدد في أشكال وتكوينات وتوجيهات عديدة. ويستحيل أن يخضع لحكم حزب واحد أو مجموعة أو فئة متسلطة.

أعتبر أن الديمقراطية هي الفائزة لأن القوى السياسية وعلى رأسها الحركة الإسلامية قد اعترفت وأقرت بضرورة الديمقراطية. ولذلك فرحت باكتساح انتخابات المزارعين والمحامين أكثر، كما أظن، من فرحها حين استولت على السلطة بقوة السلاح صبيحة الثلاثين من يونيو 1989.

إذ لم تكن نشوة الانتصار واضحة على الانقلابين الذين لازمهم الخوف والحذر لفترة طويلة. فقد خضع الشعب السوداني لأطول حظر تجول ولقانون طوارئ كدنا نظنه سرمدياً لا أول له ولا آخر.

وكنا نسمع عن قياديين يسهرون الليالي بلا انقطاع ولا سنة من نوم. وكان الخوف والحذر سبباً في القمع الفائض والانتهاكات المتعددة لحقوق الإنسان، فقد كان الانقلابيون يريدون نقل الخوف إلى العدو أو المنافس. وكان للانقلابين بعض الحق في الخوف والفزع فقد تعرضت حركة الإنقاذ في البداية إلى العديد من التهديدات بعضها خطيرة مثل محاولة انقلاب ابريل 1990.

تثير بهجة وفرح الإنقاذيين بنتائج الانتخابات سؤالاً شرعياً: إذا كانت الديمقراطية ممتعة ورائعة ومفرحة بهذه الصورة، فلماذا انقلبتم عليها أصلاً وكان لكم في برلمان آنذاك 51 نائباً يمكن زيادتهم في الانتخابات المقبلة؟ ويبرز التساؤل القديم المستمر:

هل الإسلاميون ديمقراطيون أصليون وحقيقيون أم تظل الديمقراطية مجرد وسيلة للسيطرة والتمكين؟ يبدو من سلوك الإسلاميين السياسي أن الديمقراطية لا تمثل قناعة مستمرة ويمكن الانقلاب عليها، كما علمنا التاريخ القريب، إذا لم توصلهم إلى السلطة مشاركة أو إنفراداً. فقد برر الإسلاميون انقلابهم على الحكومة المنتخبة خلال 1986 ـ 1989.

أنهم أبعدوا عن السلطة وإن مذكرة القوات المسلحة في فبراير 1989 عبرت عن رفضها لمشاركة الجبهة الإسلامية القومية في السلطة. لذلك كان لابد من الانقلاب على الديمقراطية التي تحرمهم من السلطة. فهناك سؤال افتراضي:

هل يرفض الإسلاميون أي انتخابات لا تضمن نجاحهم أو استمرارهم في السلطة؟ أتمنى أن تكون عودة الإسلاميين بعد جولة انقلابية دامت 16 عاماً إلى صناديق التصويت، هي نهائية وبقناعة صادقة من القلب.

هناك ظاهرة تستحق التوقف وتمثل خطراً على التنافس الديمقراطي وهي تهمة التزوير والتجاوزات القانونية. وهذا اتجاه مزعج يهدد سلامة التحول الديمقراطي، لأن للعبة الديمقراطية شروطاً وقواعد لابد من التزام كل الأطراف بها. وفي الانتخابات الأولى قبل أكثر من نصف قرن كان قانون الأساليب الفاسدة في الانتخابات واضحاً وصارماً، فهل تراجعنا بعد كل هذه السنوات؟

من ناحية أخرى، بعيداً عن جوانب التنافس فهذا أمر غير مقبول، إذا حدث مهما كانت الأسباب. ولكنني أخشى أن تكون هذه الاتهامات مجرد مبررات واهية تحاول المعارضة من خلالها ستر عورة ضعفها السياسي والتنظيمي.

إذ إن من أهم شروط المنافسة الجيدة أن تقوم مبكراً بكشف كل مخالفات وتجاوزات الخصم بإعطاء أدلة قوية مستندة على لوائح وقوانين الانتخابات نفسها. لذلك عملية كشف ثم إيقاف التزوير أو المخالفة هي جزء هام من العملية الانتخابية، والتي لا تعني رمي بطاقة الاقتراح داخل الصندوق فقط. فالعملية الانتخابات تبدأ مبكرة من حشد المقترعين والتأكد من حقهم الانتخابي.

وهذه هي المعركة الحاسمة: أن تضمن تسجيل أكبر عدد من مؤيديك، وتمنع الخصم من التلاعب في التسجيل وأن توصلهم إلى صندوق الانتخابات. ولقد حزنت حقيقة حين أتهم بعض محاميَّ المعارضة خصومهم بشبهة التزوير، لسبب بسيط هو افتراض معرفتهم بالقوانين وإذا كان التزوير يفوت على المحامين فكيف سيكون حال الفئات الأخرى بعيدة الصلة بالقانون؟

كشفت الانتخابات بين المزارعين والمحامين أن المعارضة السودانية عادت وهي أضعف من حالها حين انتزعت منها السلطة عنوة واقتداراً قبل 16عاماً. والآن ليس من حقها أن تبكي بالدموع والاتهامات على سلطة لم تدافع عنها حينئذ بنفس القوة.

ومع هذا الغياب الطويل عن الجماهير، فإن طول الجرح يغري بالتناسي إذ يبدو أن الجماهير قد نسيتهم بسبب طول الغياب عن العين والقلب معاً. على المعارضة أن تدرك أن الزمن لم يتوقف عند يوم الخميس 29 يونيو 1989 وأن تتعامل مع المتغيرات - والتي قد تكون صادمة، بعقل جديد وقدرة على النقد وإعادة البناء على أسس جديدة.

فالفترة الانتقالية مليئة بالتحديات العظيمة التي تحتاج لرجال عظماء. فقد أصبح التدويل حقيقة واقعة، والتشرذم طال كل أركان السودان جغرافياً، وكل تكويناته السياسية تنظيمياً. ولا أدري هل تابعت أحزابنا الانتخابات المصرية وهل لاحظت المصير الذي آل إليه حزب الوفد المصري والذي كان حزب الأغلبية وصاحب الجماهيرية في الشارع؟

إن مصير حزب الوفد يتربص بالأحزاب السودانية إذا لم تدرك متغيرات الواقع والعصر، واستيقظت من أحلام العظمة والمجد التي تجاوزها الزمن. إذ يمكن لحزب المؤتمر الوطني بعد هذه الانتخابات، أن يرفض، وعن حق، إدعاء شرعية أغلبية عام 1986 غير الخالدة.

كاتب سوداني