ثمة استنفار عام تعيشه المنطقة والإقليم الذي نعيش فيه بسبب ما بات يعرف بضرورة الاصلاح والتغيير وإشاعة الديمقراطية في الأقطار العربية والإسلامية.

قد لا يختلف اثنان على ضرورة إعادة النظر بأحوالنا العامة التي نعيشها أو نتعايش معها منذ عقود، والتي قد تكون بالفعل واحدة من أهم الأسباب التي أدت إلى ما نحن عليه من وهن وضعف أو هوان في المعادلات الدولية.

لكن الصحيح أيضاً أن الإصلاح والتغيير وانتخاب البديل لما نحن عليه لا يقتصر على حصول الإرادة بضرورة ذلك، بقدر ما يتطلب «عملية» تثقيف أو مسار تثقيفي ينبغي أن يتم طيه بعناية وبزمن كاف حتى نصل إلى الغاية المنشودة من الإصلاح والتغيير.

بمعنى آخر فإن الإصلاح والتغيير وانتخاب مسار العمل الديمقراطي في هذا البلد أو ذاك لا يتم فقط بمرسوم ملكي أو رئاسي ثم يأتي كل شيء على ما يرام.

ثم أضف إلى ذلك خطورة أن يحصل ذلك في ظل ظروف استنفار أمني وعسكري وضغط نفسي يكاد يصل إلى درجة حالة الحرب الشاملة، وهي الحالة التي تعيشها منطقتنا ويمر بها اقليمنا.

فالديمقراطية والإصلاح الإداري والمالي والتعليمي والحكومي فضلاً عن الثقافي بحاجة إلى بيئة ومناخ من الاستقرار والأمن والأمان بما يؤمن السلاسة المطلوبة فضلاً عن الانسيابية الضرورية لهذه العملية الاجتماعية ـ السياسية الحساسة والشفافة إلى درجة شفافية البلور.

والا فإن ما عدا ذلك من الظروف فقد يتحول الأمر إلى عكس ما هو مطلوب وتتحول العملية إلى ما يشبه «حبل المشنقه الديمقراطية».

فإشاعة التنوع والتعدد واختلاف الرأي في العمل السياسي وانطلاق حرية التعبير ناهيك عن عكس تلاوين وأطياف المجتمعات في مجال الأعراق والأقوام والمذاهب والطوائف والأديان ما هي إلا حالات قائمة اصلاً في الحياة الطبيعية طبقاً للسنن الكونية لخلقة الإنسان.

وعندما تختفي عن المشهد اليومي المألوف للأوطان والأقطار المختلفة إنما تختفي بإرادة قسرية من قبل هذا الحاكم أو ذاك، وطبقاً لمعادلة الولاء والذوبان في منظومة مصالح الجماعة أو الفئة التي يمثلها ذلك السلطان.

من هنا فإن العودة عن ذلك القرار الخاطيء وإفساح المجال مجدداً لإطلاق يد السنن الكونية في إظهار الصورة كما هي لا يمكن أن يفضي إلى النتائج المرجوة من خلال منهج الضغط والإملاء والعسف في اتخاذ القرارات، لأنه سيأتي بنفس الأضرار التي أتى بها قرار طمس التنوعات.

بمعنى آخر فإنه كما هو خطأ فادح ومشين أن يكبت الحاكم أو السلطة أصوات الناس المتنوع ويطمس تعددية انتماءاتهم وتنوع تضاريس النشاط السياسي المتنوعة، فإن من الخطأ أيضاً اعتماد القرارات الفوقية والآنية والقسرية في إطلاق الحالة التنوعية وإشاعة الديمقراطية وحرية التعبير و... فكما أن الحالة الأولى أفرزت استبداداً لا نزال نشكو منه عقوداً، فإن الحالة الثانية قد تسبب فوضى وهرجاً مرجاً سنظل نشكو منه عقود أخرى.

وما قد يزيد الطين بلة ذلك المناخ العسكري والأمني المشتعل المحيط بمثل هذا التحول والذي قد يكون الفضاء المناسب الذي ينقلنا إلى الفتن والحروب الأهلية والفرز الديني والمذهبي والطائفي المقيت بدلاً من أن يقودنا إلى نظام الإصلاحات والديمقراطية والحريات العامة.

ثمة شواهد وعلائم وقرائن منتشرة في أكثر من بلد إسلامي أو عربي تؤكد صحة ما ذهبنا إليه آنفاً، إذ نرى حالات من الغرائزية الفظة تكاد تفتك بعملية الإصلاحات فضلاً عن العمل الديمقراطي السليم.

والسبب في ذلك يعود إلى أن عملية التحول إما قد تمت في ظل «عسكري» تبعاً للتحولات الاجتماعية أو تحت ضغط «ونير» الخارج وجموحه اللامعقول نحو فرض أو إملاء معايير محددة لمقولات الإصلاح والتغيير والديمقراطية على الآخر أياً كانت ظروفه وحيثيات ذلك الآخر.

تستطيع أن تكون ما أنت من الانتماءات الفلسفية والفكرية والأيديولوجية وكذلك الدينية أو المذهبية، لكنك عندما تريد أن تخطط للبلد والوطن ولعامة الناس في مجتمع ما، لابد أن تكون «وطنياً» جامعاً بكل ما تعني الكلمة من معنى حتى تتمكن من أن تسير بالبلد المعني إلى بر الأمان.

كن أنت، قبل أن تكون أياً آخر، وبعد ذلك ستجد كم من السهل عليك أن «تستثمر» كل ما لدى الآخر من إيجابيات لصالحك دون عقبات تذكر استبدل بسيف الاستبداد والديكتاتورية و«حبل مشنقة» الديمقراطية المفروضة خيطاً رفيعاً يوصلك إذا ما تمسكت به جيداً إلى الطريق الثالث المطلوب ألا وهو طريق الإصلاح الوطني المنشود.

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني