الانتخابات العراقية، من البداية، كانت طريقها وعرة. مسيرتها تخللتها مطبّات كثيرة: اعتراضات ومقاطعات والتباسات ولم يكن ذلك مفاجئاً. فالتجربة جديدة وحصلت وسط ظروف ومعطيات بالغة التعقيد والصعوبة. ظروف غير طبيعية. ولو أن كل واحدة من محطاتها الثلاث، كانت أفضل، نسبياً، من التي سبقتها. على الأقل لجهة اتساع المشاركة فيها؛ والتي تعتبر لب العملية الانتخابية.
والجولة الأخيرة لهذه الانتخابات والتي جرت قبل أيام، توفر فيها هذا الشرط؛ على أفضل ما يكون أكثر من 73% من الناخبين مارسوا حق الاقتراع والمقاطعة لم يكن لها أثر.
حيث شاركت فيها كل التكتلات والقوى. لكن مع ذلك لم تقوَ على العبور بسلام إلى ضفة القبول والتسليم بحصيلتها من كافة الأطراف. فور طلوع النتائج الأولية بدأت تتوالى الشكاوى والاعتراضات.
ثم سرعان ما تحولت إلى اتهامات «بالتزوير»، في بعض الدوائر الانتخابية؛ ثم واكبتها دعوات ومطالبات «بإعادة الانتخابات».وأخذت هذه الأصوات شحنة من الزخم عندما أقرّ رئيس المفوضية العليا للانتخابات بحصول «خروقات»، في مناطق معينة؛
ألحقت الغبن بفريق من المرشحين. الأمر الذي زاد من البلبلة ورفع من سخونة الجدل إلى الحد الذي راحت تتردد معه عبارات من نوع التهديد بإشعال «حرب أهلية»؛ إذا لم يتم الاستدراك والتصحيح الكفيلان بإعادة «الحقوق الانتخابية» إلى أصحابها مما رفع من منسوب التوتر السياسي.
وأعاده إلى أجواء ما قبل الانتخابات؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من إيقاظ واستنفار للعصبيات الضيقة، السريعة الالتهاب؛ في وقت لا يحتمل فيه العراق العودة إلى هذه النغمة؛ ولا حتى إلى التذكير بها.
بصرف النظر عن صحة الاتهامات وعما إذا كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى إعادة النظر ببعض النتائج؛ إلا أنه من الواضح بأن هناك مشكلة انتخابية مطلوب التعامل معها بسرعة وبفعالية؛ كي لا تتحول إلى أزمة. فالساحة العراقية مزدحمة بالأزمات.
ومن المفترض أن تشكل الانتخابات والاحتكام إلى صندوق الاقتراع؛ المدخل السليم لمعالجة هموم العراق والتصدي لتحديات لحظته الراهنة. فعلى أساسها ومن خلالها تقوم وتنمو ثقافة الحوار؛ الذي يؤسس للتفاهم والتوافق وتحديد قواعد الصراع السياسي المرتكز على الثوابت الوطنية؛ وعلى رأسها وحدة العراق وسلامة أراضيه واستعادة سيادته، بعد رحيل الاحتلال عنه.
الانتخابات العراقية تندرج في خانة المكسب التأسيسي في عملية إعادة بناء البلد؛ رغم كل الملابسات التي أحاطت بها وتزداد أهميتها الآن باعتبارها البوابة التي يستقيم دخول العراق عبرها لاستقبال مرحلة جديدة من لملمة الشمل ومن بدء الخفض لقوات الاحتلال الجاثمة فوق أرضه.