قالوا إنه عربي أكثر من العرب، وإسلامي أكثر من المسلمين وأطلق عليه البعض وصف «غالاوى العرب» كصورة بريطانية مضيئة في مقابل صورة معتمة اسمها «لورانس العرب»، لكني أراه إنسانا يجسد الاحترام في أعلى مراتبه، ويمثل الشجاعة في أوضح صورها، ويعبر عن الرجولة في أرقى معانيها. وما أكرم من أن يحترم الإنسان نفسه، وما أعظم من ألا يخاف في الحق أحدا إلا الله، وما أقيم من أن يدرك أن الرجولة معنى أسمى بكثير من الذكورة.

كان يدافع عن سمعة بريطانيا أكثر مما يدافع عن قضايا العرب، ويدافع عن الغرب بصفته ظالما أكثر مما يدافع عن الشرق بصفتة مظلوما، ويغار على مبادئ الأوروبيين أكثر من غيرته على قيم المسلمين مع كل احترامه لها.

فعندما وقف جورج غالاوي في البرلمان البريطاني مع عدد من النواب المحترمين يواجه توني بلير ويقول له لا للحرب ضد العراق، ويتهمه بالخداع وبالتبعية واللاشرعية في شن الحرب، فإنما كان في الواقع يدافع عن حق الشعب البريطاني في معرفة الحقيقة دون خداع ، وعن مكانة بريطانيا التي يأبى أن تكون ذيلا لأميركا، وعن احترام قواعد العدالة الدولية في دولة القانون البريطانية.

وبقدر ما كان شاهدا لبريطانيا كان شاهدا على العرب، وبقدر ما كان شاهد إثبات لحقوق العرب، كان شاهد نفي عن عدالة السياسة البريطانية، وعندما سعى بلير لفصله من حزب العمال ليحرمه من عضوية البرلمان عقابا له على مواقفه الحرة لم يستسلم الرجل الشجاع، ورد بتأسيس حزب اختار له اسما لاتغيب دلالته عن أحد يعبر به عن نفسه وعما يريد أن تتسم به سياسة بلاده. . حزب «الاحترام».

وأعاده حزبه الذي سارع للانضمام إليه عدد كبير من المحترمين البريطانيين إلى عضوية البرلمان نائبا محترما بعد معركة انتخابات ساخنة في شرق لندن التي يسكنها في الغالب المسلمون البريطانيون رغما عن أنف بلير، وفي حين أرجع غالاوي الفضل في فوزه لأصوات المسلمين يقتضينا الإنصاف القول بأن الفضل يرجع أيضا لرسوخ قواعد الممارسة الديمقراطية في بريطانيا التي مكنت غالاوي من تحدي بلير وحزبه بل والانتصار عليهما بعكس ما يحدث من ممارسات في دنيا العرب.

ومع ذلك نال الرجل المحترم إعجاب كل العرب والمسلمين بمواقفه التي لا تنسى دفاعا عن قضاياهم، في فلسطين في محاولة منه للتخلص من الشعور بالذنب جراء مسؤولية «بلفور» البريطاني في قيام إسرائيل على أرض العرب تعويضا لجريمة أوروبية وليست عربية في حق اليهود، وانطلاقا من أنه ليس من العدالة في شيء أن يدفع ملايين اللاجئين الفلسطينيين الثمن في ذنب لم يرتكبوه !

كما نال الرجل المحترم إعجاب كل العرب والمسلمين بمواقفه التي لا تنسى تضامنا مع الشعب العراقي سواء لتخفيف المعاناة عنه من جراء الحصار بعد الحرب الأولى أو لمحاولة منع وقوع الحرب الثانية دون شرعية، فمن منا لا يذكر حملة «مريم» التي تحركت من لندن عبر القاهرة وعمان والعواصم العربية وكشفت للعالم مأساة طفلة عراقية بسبب استخدام الأسلحة المحرمة دوليا في الحرب الأولى ضد العراق، والتي تمنع سياسة العقوبات الغبية توفير العلاج لآلاف الحالات مثلها..؟

ومن منا لا يذكر التظاهرات المليونية التي قادها النائب المحترم في لندن ضد سياسة بوش وبلير بشن الحرب الثانية ضد العراق والتي تفاعلت مع التظاهرات المليونية في القاهرة والرباط ودمشق وعمان والخرطوم وصنعاء، والتي بسببها واجه الاتهامات الكاذبة في بريطانيا وفى أميركا بتلقي رشاوى بترولية من صدام حسين في محاولة فاشلة لاغتياله سياسيا وتقويض مصداقيته، ولكنه واصل معركته السياسية العادلة وانتصر على الكاذبين سواء في ساحة القضاء البريطاني ، أو في قاعة مجلس الشيوخ الأميركي.

لقد برأه القضاء البريطاني العادل وألزم الصحيفة البريطانية بدفع مئات الآلاف من الدولارات تعويضا له عن التهم الكاذبة، وهنا يقتضي الإنصاف القول بأنه لولا عدالة القضاء البريطاني لما أمكن للصوت الحر أن يواصل نضاله العادل انتصارا للقضايا الإنسانية في الحق والحرية، وهذا يذكرنا بالمواقف الشريفة للقضاء في أكثر من بلد عربي رغم غياب الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية في معظم البلاد العربية التي تدعي الديمقراطية.

كما قرر النائب الشجاع أن يواجه الاتهامات الأميركية الكاذبة التي واصلت ترديد ذات الشائعات لعلها تنجح في واشنطن فيما فشلت فيه في لندن، فتوجه بنفسه دون طلب إلى مجلس الشيوخ الأميركي دفاعا عن شرفه ومصداقيته ليقلب الموقف لصالحه قائلا لهم:

«جئت إلى هنا ليس بصفتي متهما بل لكي أوجه الاتهام لكم». واصفا تبريرات واشنطن لشن الحرب على العراق بأنها مجموعة من الأكاذيب»، وبعد أن تحداهم أن يقدموا دليلا على اتهاماتهم وفشلوا، ولم يكن لديهم سوى أنه قابل صدام حسين عدة مرات، لكن رده كان أشبه بصفعات قوية حين قال: لقد قابلت صدام مرتين تماما كما فعل وزير دفاعكم رامسفيلد، ولكن الفرق أن رامسفيلد ذهب لصدام ليبيع له السلاح، وليسلمه الخرائط للمساعدة على تصويب هذا السلاح على الإيرانيين بينما التقيت أنا صدام في محاولة لإنهاء الحظر على العراقيين، وإقناعه بالسماح بعودة المفتشين الدوليين.

وقال غالاوي بعد عودته من واشنطن: مع كل صفعة وجهتها لهم كدت أسمع الهتافات من مخيمات اللاجئين من فلسطين والمقاومين في الفلوجة وبغداد والنجف.

شاهدت «غالاوي» قبل أيام مرتين على شاشات التلفزيون الأولى في عمان والثانية في دمشق، وفى المرتين كان يستنهض العرب للاستيقاظ من سباتهم قبل فوات الأوان، متسائلا في دهشة: كيف يقبلون حتى الآن استمرار واقع التقسيم الذي فرضته عليهم بريطانيا وفرنسا في العهد الاستعماري عام 1916 ؟!

وأضاف إنني كثيرا ما أمر على الغرفة التي جرى فيها تمزيق أوصال الوطن العربي والتي اجتمع فيها «سايكس» و«بيكو» في البرلمان البريطاني وأتساءل في تعجب كيف أمكن لنا في أوروبا رغم تاريخ الحروب والدماء، ورغم عشرين لغة تتحدث بها شعوبنا أن نتحد بينما أنتم العرب تملكون اللغة الواحدة والدين الواحد والتاريخ المشترك الطويل من الوحدة ولم تستطيعوا تغيير هذا الواقع ؟!

إن إعادة تحقيق وحدتكم ليس حلما مستحيلا، بل إنه أمر ممكن إذا أردتم تحقيقها. .إنكم تملكون كل شيء الماء والنفط والغاز والبشر، لو اتحدتم لحلت كل مشكلاتكم السياسية والاقتصادية، ولتحولتم من أمة ممزقة إلى أمة عظمى..وأضاف غالاوي قائلا: لا تتوقعوا أن يأتي أحد من خارج أمتكم ليحل لكم مشكلاتكم. لن يحل مشكلات العرب إلا العرب أنفسهم. .صدقوني.

في الواقع شعرت كم تساوي قيمة «الاحترام» لدى رجل محترم ، وصدقوني أيها الرجال المحترمون..لن يحترمنا الآخرون إلا بقدر ما نحترم نحن أنفسنا.

كاتب مصري

Mamdoh77t@hotmail.com