أياً كانت الكلمات والأوصاف ودرجة البشاعة في جرائم الإرهابيين في العراق، فإن الحرب على الإرهاب تقتضي تفوقاً أخلاقياً لم يتوفر بعد في هذه الحرب الدائرة هناك.

انه القانون الأساسي في حروب التحرر والاستقلال والقضايا العادلة، فالوسيلة تفصح عن الموقف الاخلاقي للمتحاربين. درس التاريخ بسيط: القوة وحدها لا تكسب الحرب.

الحال ان جرائم قتل المدنيين في العراق وهذا العنف الأعمى المنفلت الذي يصفعنا يومياً يؤذي مشاعرنا في الصميم، لكن اذا أدرنا وجهنا الى الطرف الآخر في الحرب فإن صدمتنا تتضاعف لأنه فاقد للتفوق الاخلاقي أيضاً.

لسنا بحاجة الى موعظة أخرى، ان تسلسل الأحداث نفسها كفيل بأن يفصح عن حجم الصدمة أو ان يبرهن على أن كلا طرفي النزاع في العراق خاسر اخلاقياً: الإرهابيون الذين يقتلون المدنيين والأميركيين الذين يحاربونهم.

لقد تم شن الحرب بناء على أكاذيب، أسلحة الدمار الشامل وصلات مزعومة مع تنظيم القاعدة. هل تذكرون ذلك؟ لقد اصبحت القصة مملة.

انفجرت فضيحة تعذيب السجناء في «أبوغريب»، فاكتشف الكثيرون الوجه الحقيقي للاحتلال عندما يكون فاقداً للدوافع الاخلاقية. تذكر العالم ان هناك سجونا أخرى في افغانستان ومن قبله ذلك الاسم الكريه: معتقل قاعدة خليج غوانتانامو.

فضحية «أبوغريب» لم تبلغنا ان المحتل يضاهي النظام الذي اسقطه فحسب، بل ان طرفي هذا النزاع الخارج عن السوية يصران دوما على تذكيرنا بانهما يمثلان العقلية نفسها رغم الفارق الشاسع في الخطاب. ففي حمأة فضيحة أبوغريب، يطل ذلك الاسم الأسطورة (الزرقاوي أو من تقمص دوره) في مشهد يوازي رعب الهرمجدون التوراتي لكي يذكرنا بأن تعذيب السجناء ونحر مدني أميركي صادر عن عدوين لا يملكان أي ميزة اخلاقية.

لكن ذلك كان قمة جبل الجليد، أو بالأصح كرة ثلج صغيرة تدحرجت حتى أفصحت عن حجم كبير لكنه صاعق في الأسابيع الأخيرة: معتقلات سرية تديرها وكالة الاستخبارات الأميركية «سي آي أيه» في بعض دول أوروبا الشرقية. أي في الديمقراطيات الجديدة التي ينسب جزء غير قليل من الفضل في تحرر شعوبها للمثابرة التي لم تلن يوما لراديو «أوروبا الحرة».

مراكز الاعتقال السرية والرحلات الجوية السرية فوق دول حليفة كالمانيا وبريطانيا، سلسلة أخرى من الفضائح التي لم تتطلب سوى المزيد من الأكاذيب.

لكن هذه ليست سوى ثمار، فالحرب على الإرهاب التي تأسست على كارثة 11 سبتمبر، لم تعط إدارة الرئيس بوش تفويضا بشن الحرب فحسب بل انها شكلت في وجهها الاخر فرصة لهذه الادارة لفرض اجندة محافظة على الأميركيين انفسهم. لكن مفردة الأجندة المحافظة تبدو قاصرة عن التفسير، فما نتج عن هذا القانون لم يفعل سوى ان احيا تلك التدابير المنتهكة للحريات التي اعادت تذكير الأميركيين بواحدة من اسوأ الحقب في تاريخهم المعاصر: المكارثية.

لقد اعاد الاعتقال الطويل بدون محاكمة الى الاذهان الوطأة الثقيلة للمكارثية منذ خمسينات القرن الماضي الى السبعينات. وعبثا تجاهد ادارة بوش لاظهار الحرب على الإرهاب بأنها دفاع عن قيم الحرية. فالحرية تنتهك بشكل فج ومشرعن (غوانتانامو) ولا تفعل الفضائح سوى ان تظهر ان الانتهاك ليس خللا طارئاً بل سياسة قائمة ومنهجية.

لم يقتصر الانتهاك على الاعداء، اولئك الإرهابيين البشعين الذين يقتلون المدنيين في العراق أو في أي مكان آخر، بل انه افصح عن تلازم وثيق بما يجري داخل أميركا نفسها.

الآن ثمة فضيحة أخرى تتفاعل اسمها تفويض الرئيس لوكالة الأمن القومي بالتنصت على الهواتف بدون اذن. وهي فضيحة تتفاعل في الكونغرس دفعت نائبه ديك تشيني يقطع جولته العربية ويعود الى واشنطن لادارة المعركة في الكونغرس.

اما ادارة الحرب في العراق، فمن شأنها ان تكشف المزيد حول الأساس الاخلاقي للحرب على الارهاب ونشر الديمقراطية. وستمضي الحقائق لتؤكد لنا يوما بعد اخر ان المكارثية التي تخيم على أميركا هي نفسها التي تكشف عن وجهها خارج الحدود.

ليس افضل من العراق لاختبار هذا التلازم، فماذا يفعل الاميركيون هناك بخلاف الحملات العسكرية لمطاردة الارهابيين وتعقبهم من مدينة الى اخرى. أي ماذا يفعل الاميركيون بعيدا عن اعتمادهم على القوة العسكرية؟.

في مقاله المعنون «ثمن الدعاية الحقيقي» في «نيوزويك» (20 ديسمبر)، يتحسر جوناثان ألتر على اساليب الدعاية الاميركية في حقبة الحرب الباردة التي «علمتنا ان الدعاية تكون في أبهى صورها حين تقدم بشكل مباشر بواسطة راديو أوروبا الحرة».

ألتر يكتب هذا في معرض تعليقه على ما نشرته صحيفة «لوس انجليس تايمز» من ان البنتاغون يستخدم القوات المسلحة لكتابة مقالات ايجابية حول العراق ثم غرسها سريا في الصحافة العراقية مع الرشاوي. اما المهمة حسب التر فتقوم بها شركة اسمها «مجموعة لينكولن» حصلت على عقد من الحكومة بقيمة 300 مليون دولار على مدى خمس سنوات. وفي معرض نقده لوسائل الإدارة والشركة في ما أسماه افساد الإعلام العراقي، يتساءل التر: «ألا يمكننا الإمساك بالنقطة الأساسية التي تقول ان إعلاماً عربياً يؤيد الأميركيين تأييداً كاملاً لن يتمتع بالمصداقية في المنطقة».

هذه المصداقية هي الأساس في كل الجدل حول العراق، المسرح الأساسي للحرب على الإرهاب الذي لا يفعل سوى ان يؤكد لنا يوماً بعد آخر ان كلا طرفي هذه الحرب مفلس اخلاقيا الى حد الخواء.

كاتب بحريني