تقف التجربة الحزبية المصرية في الوقت الراهن على مفترق طرق، يستوي فيها من هو في سدة الحكم (الحزب الوطني) ومن يقف منذ ثلاثة عقود تقريباً موقف المعارضة، مرتضياً بأدوار رسمتها السلطة، ومستسلما لتآكله التدريجي، الذي تبين من الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت مؤخرا، أنه قد وصل حدا من السوء، ما ينذر باختفاء أحزاب عريقة، وانشقاق وتصدع أخرى، ليبدأ فصل سياسي مصري جديد، إما بأحزاب أخرى حقيقية، وإما بجبهة واحدة قد تكون «جماعة الإخوان المسلمين» أو بقطبين كبيرين يمثلان الحزب الحاكم والإخوان.
ومع خواء هذه التجربة الحزبية باتت مصر القادمة موزعة على ثلاثة سيناريوهات، أولها أن تدب العافية في جسد النظام الحاكم، فيطلق ثورة إصلاحية، تعيد إليه القاعدة الجماهيرية التي فقدها، وترمم الشروخ التي اتسعت في السنوات الأخيرة بين بعض أجنحته وعناصره، وتعيد ثقة الناس في رجاله، ومن ثم تبقي الحزب الوطني لاعبا أساسيا في الحياة السياسية المصرية.
وثانيها أن تترك الأمور على حالها فتسقط الدولة المصرية «ثمرة عطنة» أو «جثة هامدة» في حجر «الإخوان المسلمين»، فيرثوا ميراثاً ثقيلاً، قد يستمرئونه ويديرونه لصالحهم، وقد يبذلون جهداً فائقاً في سبيل التخلص منه، لكن ربما ببطء لا يلبي حاجة المصريين الملحة إلى الإصلاح. أما السيناريو الثالث، وهو كابوسي أو كارثي إلى حد كبير، فيتمثل في إمكانية قيام تحالف بين «الإخوان» و«الحرس القديم» في الحزب الحاكم، يخمد تباشير الإصلاح التي لاحت في الشهور الأخيرة، ويبقي الأحزاب الأخرى على ضعفها وهوانها.
وفي ظل هذا التصور يتوزع السيناريو الأمثل على طريقتين، الأولى هي إطلاق التجربة الحزبية المصرية من عقالها، بتمكين الأحزاب القائمة من العمل بحرية في كل بقعة على أرض مصر، وبين أي قطاع من الجماهير الغفيرة، بما يمكنها من تعبئة الناس حول برامجها وتصوراتها، ويفتح الباب أمام زيادة حجم العضوية في كل حزب. أما الثانية فهي السماح بإنشاء أحزاب جديدة، لها قواعد جماهيرية حقيقية، ولديها تصورات مختلفة، ويقودها مجموعة من الشباب الطموح، يمتلك أفكارا للمستقبل.
ويحضرني في هذا المقام، على سبيل المثال لا الحصر، حزبا «الوسط» و«الكرامة» تحت التأسيس. والسير في هذين الدربين يتطلب إلغاء قانون الطوارئ الذي حرم أحزاب المعارضة من الاتصال بالجماهير، وإلغاء لجنة الأحزاب السياسية، التي يهيمن عليها الحزب الحاكم، وتتحكم في ولادة الأحزاب أو موتها في رحم حياة سياسية مصرية ضعيفة.
ومثل هذا المناخ سيؤدي إلى ولادة طبيعية للأحزاب المصرية، التي ولدت قيصريا على يد النظام، من خلال سياسية «المنابر» التي أطلقها الرئيس الراحل أنور السادات عام 1976، لتتحول إلى «ديكور» أكثر منها قوى سياسية فاعلة. والولادة الطبيعية هذه تعني عدم قيام الأحزاب بقرار فوقي من السلطة، بل بإرادة جماهيرية حقيقية، تلتف حول برنامج معين، وتبارك خطى القائمين عليه، أو واضعيه، فإن اطمئن هؤلاء إلى أن لهم رصيدا عريضا بين الناس، أعلنوا قيام حزب سياسي عفي.
ومثل هذا المناخ سيضخ في أوصال الحياة السياسية المصرية حيوية افتقدتها على مدار ربع قرن تقريبا، وسيعيد هيكلة القوة السياسية في البلاد، بحيث لا يحتكرها طرف، ولا يتنعم بها فريق من دون الجميع، ويعيد صياغة التيارات السياسية الأصلية في مصر، بحيث لا يحتكر «الإخوان»التيار الإسلامي، وينجح اليسار في تنظيم صفوفه، ويحصل الليبراليون الحقيقيون على الحزب الذي يليق بهم، فلا يستمروا جماعة محصورة في النخبة، منعزلة عن الناس.
وهذا النوع من توزع القوة السياسية أو انتشارها في المجتمع المصري هو وحده الكفيل بإخراج البلاد من أزمتها السياسية الداخلية، وهو الذي سيحيي السياسة في مصر بعد موتها، الذي دلت عليه الانتخابات الأخيرة، حين صوت الناس إما لشعار ديني فضفاض وغامض هو «الإسلام هو الحل» أو من أجل «خدمات» قدمها مرشحون، وتحت وطأة «المال السياسي» المفرط، أو على خلفيات وانتماءات قبلية وعشائرية ومناطقية، خاصة في صعيد مصر، فسقط رموز سياسيون كبار، وتقلصت حصيلة الأحزاب المعارضة من مقاعد البرلمان، وهو وضع مخز لا يجب السكوت عليه، ولا يليق أبدا بتجربة برلمانية مصرية عريقة، تمتد إلى نحو مئة وخمسين سنة.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة