إن من أهم المشكلات الاجتماعية، التي يعاني منها مجتمع الإمارات، بشكل خاص، ومجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام، هي مشكلة الطلاق. هذه المشكلة التي باتت تؤرق أفراد المجتمع، سواء من أصابهم نتائج أبغض الحلال، أو غيرهم. فقد بلغ عدد حالات الطلاق، التي حدثت في عام 2004م، 2817 حالة على مستوى الإمارات ماعدا إمارة دبي، والتي قد لا تختلف عن بقية إمارات الدولة. حيث إن هذه الظاهرة الاجتماعية الخطرة قد انتشرت في جميع، المجتمعات الخليجية، ومجتمعات بعض الدول العربية.

ولعل الجدل المثار حالياً، في الإمارات، حول قضية الطلاق، والتي أثارها الدكتور أحمد الكبيسي ـ رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية الجديد، والذي صادق عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله. وهذا القانون يشتمل على 363 مادة، هو القانون الأول الذي ينظم كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية.

التركيز على أن هنالك 80% من المطلقات، حسب رأي د. الكبيسي، «إنهن في الحقيقة غير مطلقات!»، لأسباب ذكرها في مداخلاته، خلال الندوات التي عقدت في الإمارات، خلال الأيام الماضية. وهو ما يشبه اللغز، الذي يحتاج إلى حل، لأولئك الذين لا يعرفون التركيبة الاجتماعية في الإمارات.

إن طرح هذه المشكلة، في هذا الوقت بالذات، يؤكد تماماً ان هذه الظاهرة، باتت تشكل قلقاً اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، على أفراد مجتمع، هم أقلية بالنسبة لمجمل مجموع السكان. وإن آثارها السلبية، قد بدأت تبرز بشكل واضح على السطح، وان كرة الثلج الصغيرة، قد كبرت، وأصبحت بحجم كبير جداً.

كما أن تراجع حالة الزواج، في المجتمع، وتأخر سن الزواج، هما أيضاً مؤشران على أزمة اجتماعية أخرى، في ظل تغيرات قيمية قد بدأت تبرز، وخاصة فيما يتعلق بمؤسسة الأسرة، والعلاقة الاجتماعية بين الجنسين. وفي ظل الانفتاح الثقافي، والتنوع الحضاري بين سكان الإمارات، باتت العلاقة بين الجنسين تتأثر بأطر أخرى.

إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، قد لعبت دوراً في هذا التحول، حيث أصبح من المؤكد، أن الاهتمام بشؤون العائلة مكلف اقتصادياً، وأن نمط الاستهلاك المتطرف، ومتطلبات الحياة، جعلت للهروب من هذه المسؤوليات، باباً واسعة فازدادت حالات الطلاق، سواء كانت طلقة واحدة أو ثلاث طلقات في طلقة واحدة كفيلة لدى البعض بقتل مؤسسة الأسرة. والكارثة إن كان هنالك اتباع أي أولاد لذلك الزوج، أو الزوجة كما كتب عليها أن تنفصل عن زوجها، بناء على رغبة الزوج، الذي يملك حق الطلاق، أو بناء على طلب الزوجة، في حالات قد تكون محدودة.

كنت أتمنى على الدكتور أحمد الكبيسي، الذي أكن له كل الاحترام، أن يبحث عن أسباب الطلاق في الوقت الراهن، لا ان يحاول أن يؤكد أن 80% من حالات الطلاق، هي غير صحيحة، حسب اجتهاده الشخصي. فوضع حد لهذه الظاهرة الخطرة، التي تكون المرأة هي الضحية الحقيقية فيها، اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً يتطلب دراسة موضوعية.

في الحقيقة، يبدو أن هذه الظاهرة بحاجة إلى دراسات متعمقة لمعرفة أسبابها، ونتائجها، وطرائق علاجها، وهذا بحد ذاته، يحتاج إلى جهود مجموعات كبيرة من ذوي الاختصاص، سواء في علم الاجتماع، والاقتصاد، وعلم النفس، والسياسة، والإعلام، ورجال دين مستنيرين، ذوي أفق واسع لدراسة الظاهرة. لأن الدراسات، التي تمت، حول هذه الظاهرة، سواء منها تلك التي قامت بها مؤسسات رسمية، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية، وصندوق الزواج، أو فردية من خلال دارسين وباحثين، لم تعد كافية، لمشكلة في حجم مشكلة الطلاق، فالقضية لم تعد حكراً على رجال الدين الأفاضل، ورجال القانون.

ان كارثة إنسانية بهذا الحجم، وفي مجتمعات ذات توجه إنساني، بشكل عام، مؤشر على وجود خلل خطير في المنظومة القيمية، ولعل الثقافة التي عززها الإسلام السياسي، وخاصة أحزاب ما يعرف بالإسلام السياسي، قد عززت دونية مكانة المرأة، على مدى عقود من الزمن، فهي تابعة، أو في أحسن الحالات مواطن من الدرجة الثالثة.

إضافة إلى ذلك فإن عملية التعليم، ونيل المرأة، حظها منه، جعلتها لا ترغب أو تقدر أو تقبل ان تلعب دور المرأة السلبي، أو تلك التابعة للرجل، مع العلم ان ثقافة الإسلام السياسي، للأسف الشديد، تتناقض مع الثقافة التي أرادها، الرسول الكريم، التي قامت على ترسيخ احترام الإنسان وخاصة المرأة.

يبدو أن عدم ثبات منظومة قيمية، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، تبين إيجابيات الثقافة التقليدية والحديثة، والتقدم والانحطاط، إضافة إلى متطلبات الحياة الحديثة ومظاهرها، دفعت الكثيرين إلى الانتحار الاجتماعي (الطلاق)، وهنا لابد أن ينظر إلى تنامي ظاهرة الطلاق، وكأنها حالة انتحار، على حد زعم دور كايم في دراسة تلك الظاهرة، في مرحلة تحول المجتمعات الأوروبية، إلى عصر جديد.

ويبدو أن عدم التكيف، مع المرأة، التي بدأت تطالب بحقوقها الإنسانية لدى فئات اجتماعية مختلفة أدت إلى ذلك الانتحار الجماعي، فهل هذا مؤشر على مرحلة جديدة من العلاقات الاجتماعية؟ وهل ستتقبل المجتمعات التقليدية، بالنموذج الغربي للمطلقة.

ألا يعتقد الأفاضل سواء من القانونيين أو رجال الدين، ان القضية المهمة، هي ان الطلاق قد حدث بين الاثنين، وتهدمت الأسرة، وأن رعاية الأبناء يجب أن تكون للأم، وهي الأجدر برعايتهم، حيث إن الأب الذي ضحى بالأم، لن يهتم بالأولاد، وقد يؤدي ذلك إلى تدميرهم، فالأم هي الأساس، إلا إذا اعتقد البعض أن الأب قد يتراجع عن الطلاق حينما يدرك أن هنالك مسؤولية جديدة لديه، تتعلق برعاية الأولاد!!

من المؤكد أن هذه الظاهرة، هي محك لمدى التعامل مع المشكلات الاجتماعية، وان الاجتهادات في الدين الإسلامي، تشمل المذاهب الخمسة أو غيرها، ولعل من المفيد الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى.

وفي الوقت نفسه، ألا تثير عودة الخلع، في المجتمعات العربية الإسلامية، سؤالاً مهماً حول إن هنالك أزمة وعاصفة جديدة، لا تختلف في نتائجها عن غضب الطبيعة، وإلى متى يكون ردود فعل للظواهر الاجتماعية؟

أخيراً سؤال بسيط إلى متى تتم معالجة هذه القضايا المهمة والحيوية دون الأخذ بعين الاعتبار أن الزمن هو زمن التخصص والشفافية والصراحة، هل نحتاج إلى مبادرة جديدة لإنسان يعتقد ان المستقبل والحاضر هو من خلق من يده في النار، وليس أولئك الذين يضعون يدهم على الجليد.

ان من السخرية السوداء، أن المطالب تتوجه نحو إشراك المرأة في النشاط السياسي، وان يكون لها دور فاعل في الحياة العامة، وان تكون عنصراً فاعلاً، وفي الوقت نفسه، تعاني من ظاهرة أسبابها في الأساس، اجتماعية واقتصادية وسياسية.

كنت أتوقع أن يعقد في هذا الأسبوع، مؤتمر أو ورشة عمل، تناقش فيه هذه القضية، من قبل الجمعيات النسائية على مستوى مجلس التعاون، إلا أن الموضوع مر مرور الكرام.

إلى متى لا تتم مناقشة أمور المرأة بعلمية وموضوعية، وإلى متى تظل تلك الزهرة ضحية للتحولات في هذه المجتمعات. المرأة هي الأصل، وهي الأساس، وقد تكون هي الجمرة تحت الرماد. لقد أصبح الطلاق، أكثر خطورة من اختلال التركيبة السكانية، فإلى متى السكوت عن هذه الأمور السلبية. إننا مجتمع قد يحتضر، ما لم نتدارك مشكلة الطلاق!!

وحدة الدراسات والبحوث ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com