بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 طرح الإعلام الأميركي سؤالاً عن سر كراهية العرب والمسلمين للولايات المتحدة، ورغم أن السؤال ملغوم بشحنة كراهية مسبقة واتهام غير مبرر لأمتنا، إلا أنه فتح باباً للحوار حول أسباب التوتر بين المسلمين والعرب من جهة والغرب من جهة ثانية، واجتهد الإعلاميون والساسة وصنّاع القرار العرب في الإجابة عن هذا السؤال، بل وطرحت مبادرات لتجسير الفجوة وكسب الثقة وإقامة جسور للتواصل والتفاعل الإيجابي والتلاقح الحضاري بين الجانبين.
لكن يبدو أن هناك إصراراً داخل غرف صناعة القرار في واشنطن وبعض العواصم الغربية على استهداف العرب والمسلمين، ودفع المعتدلين إلى التساؤل عمّا يجري، أو تصويرهم أمام شعوبهم بأنهم عاجزون عن اتخاذ موقف يحفظ الحق والسيادة، وبالمثل تحريض المتشددين على الاستمرار في سياسة أكثر تشدداً. وإلا كيف يمكن فهم جملة القرارات والمواقف الأميركية الأخيرة سواء على ساحة فلسطين أو العراق أو السعودية ومصر، وكلها مواقف توحي بمعاداة خطوات الاعتدال.
في البداية، قوبل التطور الإيجابي على الساحة الفلسطينية بسلبية غير مفهومة، أو بعداء وحرص على تخريبه عندما نجحت السلطة الوطنية وفصائل المقاومة المسلحة في التوصل إلى تفاهم على إجراء الانتخابات يضمن مشاركة حركة حماس فيها، كمقدمة لانخراطها في عمل سياسي يكفل توحيد سلطة اتخاذ القرار ويوحّد المرجعية وينهي حالة الفوضى، وجاء الرد الأميركي والأوروبي متمثلاً في التلويح بعقوبات اقتصادية على السلطة إن سمحت لحماس بالمشاركة في العملية السياسية، وهو رد يقوِّض أساس الديمقراطية، وإن وضع قناعاً كاذباً بادعاء حرمان المسلحين من توظيفها.
يكفي لبيان زيف هذا الادعاء أن نتذكر المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث يحظى المستوطنون المسلحون مرتكبو جرائم الإرهاب ضد المدنيين والفلسطينيين العزل بجملة أحزاب تدافع عن برامجهم «الإرهابية» ولهم ثقل ملحوظ في الكنيست.
وتتمثل ذروة الحرب على الاعتدال العربي في قراري الكونغرس الأميركي الأخيرين ضد السعودية ومصر، وبصفة خاصة دعوة واشنطن لاتخاذ خطوات للضغط على الرياض لتغيير مناهجها التعليمية، وكذلك التهديد بوقف المعونة لمصر في ضوء الانتقادات الموجهة لها.
ويبدو أن الكونغرس لم يتابع خطوات الإصلاح في البلدين، أو أنه لم يقتنع بجدواها، أو تعامل معها باستخفاف وتجاوز الخطوط الحمراء.
والحال هكذا، ليس أمام واشنطن سوى مراجعة مواقفها حتى لا تخرِّب عملية الإصلاح وتخسر نهج الاعتدال العربي وتكسب المزيد من المتشددين، وتخسر مستقبل علاقتها مع العرب والمسلمين.