بخلاف ما خطط لها، فإن الحرب الأميركية على العراق، انتهت إلى ''تحرير'' ماردين من القمقم: مارد الإرهاب ومارد أسلحة الدمار الشامل، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن ''مبررات الحرب وذرائعها'' استندت إلى شعاري: القضاء على الإرهاب ومنع الانتشار النووي، فإن الخلاصة التي يسهل الوصول إليها بعد مرور ثلاثة أعوام على قرع طبول الحرب، أن المقامرة الأمريكية في العراق، قد انتهت إلى عكس ما اشتهته سفن البيت الأبيض والبنتاغون والمحافظين الجدد.

أجيال جديدة من الإرهابيين نشأت وتتلمذت في العراق، معقلها الآمن بعد أفغانستان، وموجة جديدة من الإرهاب تنبعث من أرض الرافدين صوب دول المنطقة ومجتمعاتها، وصولا إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، وإرهاصات لموجة ''عالمية'' جديدة، قد تكون أشد ضراوة من الموجات الإرهابية السابقة، تلوح في أفق ''المواجهة المحتملة'' بين واشنطن وطهران على خلفية البرنامج النووي الإيراني، وقد تحمل في طياتها عناصر وشراكات وائتلافات جديدة، لم تعهدها الموجات السابقة، سيما إذا ما قيّض للمتشددين السنة والشيعة أن يوحدا جهودهما في المواجهة مع الولايات المتحدة بدءا من على ضفتي الخليج العربي .

أما المارد الثاني الذي أفلت من قمقمه إلى غير رجعة، فهو يتنفس الآن بحرية في مفاعلات ''بوشهر'' وبرنامج إيران النووي الممتد على مساحة إيران الشاسعة، ولن يكون بعيدا، وليس بالضرورة أن يكون مستغربا أو مستهجنا، انضمام إيران إلى ''نادي الدول النووي''، فإيران دولة إقليمية كبرى، لها امتداداتها في الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى، وهي تتطلع يمينا ويسارا فتجد دولا أقل شأنا، تقف على رأس ترسانة نووية هائلة، مدعمة بصواريخ من مختلف المديات، ووسائط نقل للدمار الشامل حديثة ومتطورة، من باكستان شرقا إلى إسرائيل غربا.

إذا كان المأخذ الغربي على قنبلة إيران النووية، أنها ''إسلامية''، فقد سبق لهذا المأخذ أن سحب من التداول بعد أن اصطفت إسلام آباد إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، وانسحب من التداول، مؤقتا على الأقل، تعبير ''القنبلة النووية الإسلامية''، ولا نريد أن نتحدث عن ''القنبلة النووية اليهودية'' التي تمتلك ''دولة جميع أبنائها اليهود'' العشرات منها، ومنذ عشرات السنين، وذلك حتى لا نتهم بـ''اللاسامية''.

وإذا كان المأخذ الغربي على قنبلة إيران النووية، أنها تتموضع في أيد غير أمينة، مدججة بالإيديولوجيا والشعارات الرعناء، فإن قنبلة باكستان الإسلامية استقرت بدورها في يد الجنرالات، حتى في الأزمنة التي كانوا فيها على تحالف ووفاق مع من يوصفون اليوم بالمنظمات الإرهابية ومدارس التكفير والكراهية والتحريض.

ثم، أن أحدا لا يمكنه أن ينظر إلى إسرائيل، أول من أدخل سباق التسلح النووي إلى المنطقة، على أنها عنصر استقرار للأمن الإقليمي والسلم العالمي، وعلى الأوروبيين المعترضين على قنبلة طهران، أن يقنعوا الرأي العام عندهم أولا، بأن إسرائيل ليست ''تهديدا'' للأمن والسلم الدوليين.

كنا سنفهم ونتفهم الحمأة الأوروبية الأميركية ضد قنبلة طهران النووية لو أنها اقترنت بمسعى جدي لترجمة المطلب القديم / الجديد بجعل الشرق الأوسط برمته، بما في ذلك إسرائيل، منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، لكن ''ازدواجية المعايير'' التي تطاردنا حيثما ذهبنا، لا تجعلنا أبدا متعاطفين مع هذا التركيز غير المفهوم وغير المبرر على أسلحة إيران النووية المفترضة.

أيا يكن من أمر، فإن دخول إيران النادي النووي في المستقبل القريب، سيبدد الحملة عليها، تماما كما حصل مع الباكستان، ومن قبلها مع الهند، وسيشجع ذلك دولا أخرى على تجريب حظوظها على أية حالة، فطالما أنه يحق لخمسة ملايين إسرائيلي امتلاك مئات الرؤوس الحربية النووية، فمن باب أولى أن يجد سبعون مليون إيراني أنفسهم أحق بامتلاك مظلة نووية، وسيقال غدا الشيء ذاته عن عدد مماثل من المصريين والأتراك وربما العراقيين والسعوديين، فضلا عن دول لاتينية وأفريقية ليست بعيدة أبدا عن هذا السابق، وهناك على أية حال تكهنات ذات طبيعة جادة وجدية، بأن تبلغ عضوية نادي الدول النووية الخمسة وعشرين عضوا في غضون الخمسة والعشرين عاما القادمة.