ربما يكون امام العراقيين الآن فرصة تاريخية لاثبات انهم بالفعل يرغبون في البقاء داخل عراق موحد ،نظرا للضغوط الشديدة التي تتعرض لها القوات الاميركية لكي تخرج من العراق.
والأمر في العراق وصل الى مرحلة لا تتحمل السجالات السياسية بقدر ماهي بحاجة الى التضحية والتقارب حيث لم يكن احد يتوقع ان يتنافس في الانتخابات العراقية الاخيرة 300 كيان سياسي بينهم 19 ائتلافا ، كلهم شاركوا في الانتخابات التي بدأت في الخامس عشر من هذا الشهر ونظرا لضخامة عدد المتنافسين لذلك جاء الاعتراض عبر عدد كبير ايضا من المجموعات السياسية المعترضة على نتائج الانتخابات والتي بلغت خمسة وثلاثين مجموعة سياسية مختلفة العقائد والاتجاهات والتي اكدت رفضها المطلق للنتائج الأولية وحذرت تلك الجماعات المفوضية العليا للانتخابات ان هي اعتمدت النتائج النهائية معتبرة ان هناك خللا وانتهاكات جسيمة رافقت العملية الانتخابية.
وبالطبع فإن رفض نتائج الانتخابات على هذا النطاق الواسع يهدد بمقاطعة واسعة ايضا لمجلس النواب الذي ستفرزه هذه الانتخابات.
بالطبع قد احسنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات حيث عمدت الى ارسال خمس فرق من خبراء الامم المتحدة ومسؤولين عراقيين للتجول في المحافظات العراقية والتحري عن صحة الشكاوى حول تزوير الانتخابات في بعض الدوائر، ولايجب ان يتبرم احد من طول العملية الديمقراطية ، فالديمقراطية تضمن استقرارا نسبيا حين تعطي الفرصة للجميع كي يشاركوا في صياغة البرلمان ومن ثم الحكومة.
ومن العيب الكبير ان يطالب العراقيون بخروج قوات الاحتلال بينما يتبدى كل هذا العجز عن الوفاق بين التكتلات السياسية الداخلية. او كما يحدث في كركوك الآن حين نظم الجيش الاميركي امس مؤتمرا بين مختلف العرقيات المتناحرة والتيارات التي تطالب لنفسها بقطعة من الكعكة دون حساب للعواقب التي تهدد الوحدة الشاملة للتراب العراقي والى حد وصل الى وصف يوم الانتخابات على لسان نائب حزب تركماني بانه يوم اسود في تاريخ العراق.
ان هناك ظاهرة لم يتم معالجتها قبل الانتخابات وهي ظاهرة توغل الميليشيات المسلحة المنتمية الى بعض الطوائف العراقية في الاجهزة الامنية التي قامت بحراسة العملية الانتخابية والتي قال بعض المراقبين ان هذه الميليشيات مارست انواعا من (الترهيب والتخويف) لمنع بعض الطوائف الاخرى من المشاركة في عملية التصويت.
ان الحد الادنى مما يجب ان يتوصل اليه العراقيون هو نوع من التعايش السلمي والتفاهم حول الثوابت الاساسية واعلى مراتبها ممثلا في الحفاظ على وحدة العراق، فلو افلت الزمام هذه المرة من بين ايدي العراقيين ، فمن المحتمل ان تطل فتنة برأسها لتضع حربا اهلية لا تبقي ولا تذر.
ومن غرائب الواقع الراهن في العراق والذي يثير كل هذا القلق ان الكل يتكلمون عن المصارحة والشفافية لكنها لاتتبدى في الممارسة العملية كما كان الامر خلال الانتخابات ثم لابد من تقليص عدد الكيانات السياسية والائتلافات عن طريق الاندماج وتوحيد الرؤى المشتتة وتنازل كل فئة عن بعض مطالبها من اجل المصلحة العليا والحفاظ على القواسم المشتركة التي كانت من اهم سمات المجتمع العراقي قبل الغزو الاجنبي.