أهم ما يواجهنا في العالم العربي المعاصر هو الطرح المستمر والمتواصل لرؤى تنعت نفسها بالجديدة مقابل رؤى أخرى تُصنف على أنها قديمة، وبين الجديد والقديم يُحشر الجمهور حشراً ضمن أطرٍ لا يدري عنها شيئاً، بينما تستمر الحياة اليومية حافلة بأطرها المتخلفة غالباً. فبين القديم والجديد يبدو الجمهور صاحب الشأن غائباً تماماً، عليه فقط في أحسن الحالات أن يعلم أن هناك جديداً في الطريق، وأن هناك قديماً يجب الحفاظ عليه، ولأن هذا الجديد يُقدم بشكلٍ ملتبس وغائم وأرعن فإن الجمهور لا يدرك حقيقة ما يحاك ضده، وما يحاول أن يفرضه عليه الآخرون.
لا أقصد بالقديم والجديد هنا أية محاولة للفرز بين السيئ والجيد، السلبي والإيجابي، فقد تكون هناك جوانب من القديم أكثر جودة وأكثر ملائمة للوضع الراهن، كما قد تكون هناك جوانب أخرى من الجديد معيقة للتغيير وعمق تأثيراته.
وفي المقابل، هناك الكثير من القديم مما يجب العمل على تجاوزه وإحلاله، مقابل العديد من جوانب الرؤى الجديدة التي يستلزمها الواقع المعيش. إذاً فالمسألة لا تتعلق بأي تقييم قيمي بقدر ما تتعلق بتقييم براجماتي يتحلى برؤى عميقة ذات أبعاد استراتيجية، وللأسف فإن هذا هو ما يغيب عن مجمل الرؤى المفروضة الآن على عالمنا العربي، وبشكلٍ خاص في شكلها الجديد، أو لنكن صرحاء التي تدعي أنها جديدة.
ويمكن القول بوجود خطابين عربيين معاصرين، أحدهما يدافع عن الرؤى القديمة، أو لنقل الأوضاع القديمة، بينما يعرض الآخر ويهلل للرؤى الجديدة، واللافت للنظر أن تاريخ العرب المعاصر في القرنين الماضيين ما هو إلا تاريخ الصراع بين هاتين الرؤيتين.
ومن المضحكات المبكيات أن تستمر أمة من الأمم في صراع وجدل فكري لمدة قرنين حول صياغة رؤية لوجودها، في زمن يستلزم السرعة في تحديد المواقف، وفي حسم التوجهات. لا يعني هذا أن الساحة قد اقتصرت على هاتين الرؤيتين، فمصيبة هذه الأمة هى في هذا القدر الكبير من هؤلاء المتفرجين بين هاتين الرؤيتين، حيث يحفل الواقع العربي بنسبة غالبة من هؤلاء المنتظرين المترددين التوفيقيين التلفيقيين. هؤلاء لم يحسموا مواقفهم حتى الآن حيث يراوح خطابهم بين الرؤى القديمة والرؤى الجديدة بدون أية تحديدات واضحة لحقيقة انتماءاته.
اللافت للنظر هنا أن كل فريق من الفرق الثلاثة ينطوي على بنيات نفسية وتوجهات اجتماعية معينة، تحدد له أيضاً طبيعة الخطاب الذي يهاجم به أصحاب الرؤى الأخرى. وفي هذا السياق، تتشابه هذه الخطابات وهذه الرؤى إلى حدٍ بعيد مع خطابات عصر النهضة في بدايات القرن العشرين، وإن كانت تحمل ملابسات بدايات القرن الحادي والعشرين، وطبيعة التحديات الجديدة التي يواجهها العالم العربي الآن.
أهم ما تتأسس عليه البنية النفسية والاجتماعية لأصحاب الرؤى القديمة هو ذلك الإحساس الذي يشملهم من أنهم قد عفا عليهم الزمن، وأن مكانهم الحقيقي هو متحف التاريخ، وأجولة المخازن. فهم يشعرون دائماً بأن الجديد سوف يكنسهم من أماكنهم التي اعتادوا عليها، وحتى إذا ما استمروا فهم مجرد احتياط مؤقت، مجرد رديف للآخرين المحملين بالرؤى والتوجهات الجديدة.
وما يزيد حالة الخوف والاضطراب عند أصحاب الرؤى القديمة كونهم أصحاب المكان، ومؤسسيه التاريخيين؛ فهم الذين وضعوا الرؤى وصاغوا الخطط ووضعوا الاستراتيجيات، وهم أيضاً الذين صالوا وجالوا وربما استفردوا وتحكموا.
وهذا الإحساس الدائم الذي يراودهم بأنهم مثل خيل الحكومة العجوز الذي يجب التخلص منه، يضعهم دائماً في موقف المدافع أكثر منه في موقف المجدد المتفاهم المستوعب؛ فهم يتحلون بخطاب أخلاقي يدافع عن القيم والعادات والتقاليد والتراث والمجتمع، وهم أكثر عدائية للآخر المخالف في الرأي سواء أكان من داخل المجتمع أو من خارجه، كما أنهم في الغالب الأعم معادون لقيم الفرح والبهجة والسعادة.
وفي المقابل، تتأسس البنية النفسية والاجتماعية لأصحاب الرؤى الجديدة على ضرورة التغيير والتطوير والإحلال، تحركهم في ذلك رغبة عارمة في الحصول على مواقع جديدة وامتيازات يرون أنهم الأحق والأجدر بها. وهم في ذلك لا يرون سوى أنفسهم، ويتمركزون حولها، فهم لا يلقون بالاً لأية أطر مجتمعية، إلا ما يتلاقى مع مصالحهم الخاصة بتنفيذ رؤاهم الجديدة.
ولذلك فهم الأكثر ميلاً للآخر في صورته الغربية حيث يتوحدون معه بشكلٍ يكاد يكون كلي، رغم محاولة البعض منهم نفي ذلك، والتأكيد على ضرورة الاشتباك النقدي معه. وهم يعانون عند هذا المستوى من انشطار نفسي بين الترحيب بالرؤى الجديدة ومناصرتها بقوة وبين ممارساتهم التقليدية الأخرى التي لا يستطيعون منها فكاكاً بحكم النشأة والمولد والتاريخ والثقافة.
وهذه الحالة تخلق لديهم أيضاً خطاب التحكم نفسه والهيمنة والتسلط، وبشكلٍ رئيسي ضد أصحاب الرؤى القديمة، حيث يزداد العداء المستحكم بين الطرفين. اللافت للنظر هنا، إن أصحاب الرؤى الجديدة يندرجون ضمن رؤى لم يصنعوها بأنفسهم، ولم يشاركوا حتى فيها، فهم في الأغلب الأعم، مجرد رديف آخر من أجل صناعة الموافقة وتنفيذ رؤى يفرضها الآخر الغربي بالأساس.
أهم ما يلفت النظر هنا أن كلا من أصحاب الرؤى القديمة والجديدة يعملان ضمن أطر لم يخططا لها، ولم يشتركا حتى في صياغتها، رغم ما يعتقده البعض منهم، بأنه قد شارك وصاغ وعمل ونقد وعدل من هذه الرؤى. والمفارقة تبدو هنا من حجم المواجهة والتنابذ والصراع بين أصحاب الرؤيتين؛ فأصحاب الرؤى القديمة، وهى رؤى في الغالب قد صيغت لهم ضمن أطر زمنية ماضوية، يهاجمون أصحاب الرؤى الجديدة على مواقف وتوجهات لم يصنعوها بأنفسهم، وإن كانوا يشاركون في تعميمها وخلق حالة إجماع وموافقة من أجلها.
كما أن أصحاب الرؤى الجديدة يهاجمون أصحاب الرؤى القديمة على واقع متخلف لم ينتجوه بأنفسهم، وإن كانوا يتحملون وزراً كبيراً على ما آل إليه الحال.
وأغلب الظن أن أصحاب الرؤيتين لا يدريان بحجم المؤامرة التي تحاك ضدهما وينسج حبائلها الآخرون من أجل الإيقاع بهم، ومن أجل تحويل أنظارهم عن القضايا المصيرية التي تواجهها الأمة بعامة، والأجيال القادمة بخاصة. والأخطر من ذلك، أن حجم العراك والتشاحن والصراع بين أصحاب الرؤيتين المغرر بهما، قد أدى بالعديد من المثقفين والمفكرين إلى توخي الحذر والانتظار، إما انتهازية منه، وإما بغية التريث وعدم تحديد لموقف ما قد يحسب عليه مستقبلاً، وإما بسبب من غمامية الرؤية وعدم وضوح المواقف، وإما استيعاباً منه لحجم المؤامرة التي تحاك ورغبة منه في عدم الاشتراك فيها.
ويشتمل هذا الفريق على كافة أطياف الواقع الفكري العربي المعاصر من الوطنيين المخلصين، ومن الأفاقين التلفيقيين، ومن التوفيقيين، ومن الانتهازيين، كما يشتمل أيضاً على من يناصرون أصحاب الرؤى القديمة وأصحاب الرؤى الجديدة، وإن كانوا لا يعلنون ذلك.
من الضروري والصحي في الوقت نفسه أن تكون هناك رؤى قديمة ورؤى جديدة، وأن تكون هناك رؤى أخرى لا تنتمي إلى هذا أو ذاك، لكن الشيء المهم هنا أن يدرك الجميع أن الرؤى تكتسب أهميتها حينما نصنعها نحن بأنفسنا، بشكلٍ يوائم تاريخنا وأوضاعنا وثقافاتنا. أما حينما يُغرر بنا ويُصنع لنا رؤى يوهمنا البعض أنها من صناعتنا نحن، ويجرنا إلى الدفاع عنها، بل والعراك فيما بيننا من أجلها؛ ففي هذه الحالة يصعب الحديث عن رؤى قديمة ورؤى جديدة حقيقية، بقدر ما يمكن الحديث عن رؤى مبتذلة وشائهة، وعن صراعات وهمية، وعن اندفاعات مراهقة.
كاتب مصري ـ جامعة الإمارات