«أصبح الإعلام سلاحا لا يقل فتكا عن الحديد والنار»، هذا ما صرح به الأمير خالد الفيصل في مؤتمر «الإعلام العربي والعالمي: تغطية الحقيقة»، الذي انعقد خلال الأسابيع الأخيرة في دبي. من جهة أخرى نلاحظ أن نصف سكان العالم في الصين والهند يجهلون حقيقة العالم العربي.
«العالم العربي ارتبط في أذهان الصينيين بأجواء ألف ليلة وليلة ومغامرات «علي بابا والأربعين حرامي»، كما أن الشعب الصيني لا يعرف عن العرب سوى أنهم تجار أغنياء يمتلكون احتياطات نفطية كبيرة وأن النساء في العالم العربي يتمتعن بالجمال ويغطين أنفسهن بملابس سوداء»، هذا ما أدلت به الصحافية الصينية المخضرمة «زيونغ لي» مديرة تحرير وكالة أنباء «شينجوا» الصينية في مداخلة لها حول كيف يرى الصينيون العرب في مؤتمر « الإعلام العربي والعالمي».
في مقال سابق تكلمنا عن الإعلام العربي وعقمه وفشله في تقديم البديل لما هو موجود على الساحة العالمية. ففي عصر العولمة والمجتمع الرقمي وثورة المعلومات لا بد من محاورة الآخر وبناء جسور التعاون والتبادل من أجل تأكيد الحضور وتقديم الحقيقة والواقع لتفنيد الأساطير والخرافات والصور النمطية وأشكال التزييف والتضليل. هل استطاع الإعلام العربي أن يقدم البديل وأن يخوض معركة الصورة والصوت بحزم واقتدار؟ أم أن الأمر غير ذلك تماما حيث نلاحظ تبعية وخنوعاً واستسلاماً تاماً لمعايير وقيم تتنافى جملة وتفصيلا مع حقيقة واقع العرب والمسلمين وحضارتهم وتاريخهم ودينهم.
الخضوع والتبعية أصبحا سمة الخطاب الإعلامي العربي الذي فشل في تأكيد حضوره محليا ودوليا بسبب غياب هوية واستراتيجية وخطة واضحة المعالم تعكس واقع الشعوب العربية وهمومها ومطالبها. هل قدم الإعلام العربي البديل للآخر حتى يفهمنا وحتى يطلع على وجهة نظرنا ولا يقتصر على ما تقدمه له الآلات الإعلامية العملاقة التي تسيطر على النص والصورة والرأي العام وبذلك الإدراك والسلوك.
الإعلام البديل أصبح أمراً لا مفر منه إذا أراد العرب أن يكون لديهم حضور وتفاهم وحوار مثمر وناجح وفعال. فالإعلام العربي بحاجة إلى مصارحة الذات والتخلص من التملق والرسميات وبحاجة إلى جرأة لتحقيق المصداقية والاحترام من قبل الجميع. شعوب ودول وأمم بكاملها لا تعرف عن العرب والمسلمين سوى قصص «علي بابا والأربعين حرامي» وآبار البترول وغير ذلك. والأسوأ من ذلك أن شعوبا برمتها ترى أن العرب يعيشون في دولة واحدة، ولا يملكون ماضياً ولا تاريخاً عدا آبار البترول والمال الكثير.
في السنوات الأخيرة شهد الإعلام العربي تطورات كمية كبيرة، لكن على مستوى الكيف لم تتغير الأمور. بل ما حدث في الواقع هو أن الفضائيات العربية التي انتشرت كالفطر لم تصحح الوضع السابق وإنما تحولت إلى صناديق بريد توزع ما تنتجه الشركات العالمية العملاقة التي تسيطر وتهيمن على صناعة النص والصورة والفكر بغض النظر عن المحتوى والرسالة والقيم والمبادئ والدلالات إلى غير ذلك.
وكنتيجة لكل ذلك وبدلا من المساهمة في تطوير المواطن العربي وتنمية قدراته الفكرية والذهنية وتطوير معارفه وثقافته وتقوية شخصيته وتعزيز انتمائه العربي الإسلامي، جاءت الفضائيات العربية في معظمها لنشر ثقافة التسطيح والتهميش والاستهلاك والذوبان في الآخر.
أما بالنسبة للرسالة الموّجهة للآخر، أي لغير العربي، فلا توجد أساسا، حيث نلاحظ غياب هذه الرسالة وغياب استراتيجية واضحة المعالم لمواجهة العديد من الصور النمطية ومن التضليل والتشويه والفبركة التي تمارس ضد العرب والمسلمين.
وفي سياق هذا الكلام نتساءل هل أدى الإعلام العربي مسؤوليته على أحسن وجه؟ وهل أسس لخطاب عربي عقلاني منطقي صريح وجريء وجديد ينقل الصورة الحقيقية للآخر ويفند الأساطير والأكاذيب ويدفع التهم عن العرب والمسلمين؟ فالمنظومة الإعلامية العربية مع الأسف الشديد فشلت في خدمة الأمة داخليا وفشلت في خدمتها خارجيا. ففاقد الشيء لا يعطيه والذي لا يقوى على معالجة مشاكله داخليا فإنه لا يقوى على معالجتها خارجياً.
الأمر إذن يقتضي وقفة نقدية جادة مع الذات إذا أراد العرب توظيف جهاز الإعلام على النحو الصحيح وبطريقة عقلانية ورشيدة بهدف خدمة الأمة داخليا وتجسير الفجوة مع الآخر وفق أسس علمية وبأحدث التقنيات والوسائل. الإعلام البديل يجب أن يتميز بالشفافية والصراحة والصدق والديمقراطية والمصداقية والجرأة في الطرح والنقد والنقد الذاتي.
كما يجب أن يتميز باحترام ثقافة الآخر وحضارته وتاريخه وقيمه وعاداته. العرب بحاجة إلى تأسيس وبناء منظومة تعاون وآليات للحوار الحضاري مع الغرب ومع الآخر تقبل تعدد الآراء والأفكار والثقافات والحضارات، وتقبل الآخر كما تجعل من الآخر يقبلها. العرب بحاجة إلى أن يكون لديهم موقع في العقل الجماعي العالمي وأن يسهموا في إنتاج العلم والمعرفة وفي مسيرة تقدم العالم واختراعاته.
إن الربط بين العرب والإرهاب، والإسلام والإرهاب، والربط بين المقاومة والإرهاب كلها نقاط سوداء في سجل الإعلام العربي وإخفاق العرب في تقديم الإعلام البديل للعالم حتى يعرف حقيقة الإسلام والمسلمين والعرب. فالعيب في العرب وليس في الآخر، لأن سبب التزييف والتشويه والتضليل والصور النمطية يعود بالدرجة الأولى إلى فشل العرب في تقديم الحقيقة للعالم. فالقوى الخفية تفبرك وتشّوه وتضلل حسب ما تمليه مصالحها وأهدافها والعرب يبكون على الأطلال. فاللوم ليس في الغير وإنما فينا.
فالأمر إذن بحاجة إلى تصحيح الوضع وبحاجة إلى ضرورة الإصلاح والشفافية والديمقراطية الحقيقية والحكم الرشيد وتحرير الفرد واحترام العلم والبحث العلمي وإنتاج المعرفة.كما يجب إعادة النظر والتفكير في علاقة الدين بالسياسة والاجتماع وإدارة الحكم.
نلاحظ أن هموم الإعلام العربي تقع داخل حدوده، فهو مشغول كل الوقت بالتكيف والتأقلم مع مزاج الحاكم وطلباته وأهوائه ناسيا في ذات الوقت هموم الجماهير العريضة من المجتمع وناسيا متطلبات الرسالة الفعالة التي يجب أن يوّجهها للخارج وللرأي العام الدولي.
وهذا ما يفتح في واقع الأمر الباب على مصراعيه للآلات الإعلامية والثقافية العالمية لتصول وتجول كما يحلو لها وتفصل وتخيط وتفبرك الواقع حسب معتقداتها وقيمها وصورها وبما يخدم مصالحها وأهدافها وأهداف دولها وشعوبها. ومن ثمة فإنها تشكل وتصنع الوعي والإدراك والرأي العام الذي تريده والذي يتناغم مع أيديولوجياتها وأهدافها ومصالحها.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة