أعلنت اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات نقابة المحامين نهار السبت (17/12) فوز قائمة الأستاذ فتحي خليل نقيب المحامين السابق ومرشح القوى الوطنية (الحزب الحاكم وحلفاؤه في حكومة الوحدة الوطنية عدا الحركة الشعبية) بفارق 380 صوتاً بينه وبين قائمة التحالف الديمقراطي (المعارض) التي يقودها الدكتور أمين مكي مدني.
وتعتبر هذه الانتخابات كسبا حقيقيا للممارسة الديمقراطية في السودان بعد سنوات طويلة من الشمولية، فقد خاضتها الأحزاب السياسية بحرية كاملة، وتمت تحت الإشراف الكامل للجنة قضائية كونها رئيس القضاء، ولم تسجل العملية الانتخابية حالة واحدة تعكر صفو الأمن أو عملية التصويت رغم المنافسة الحامية التي دارت بين القائمتين المتنافستين، لم تتسلم اللجنة المشرفة طعنا واحدا في أي من المرشحين الذين بلغ عددهم (50) مرشحاً أو الناخبين المسجلين في الكشوفات وعددهم (7284) محامياً، ولم تضبط اللجنة حالة تزوير واحدة.
وتسلمت اللجنة طعونا محدودة في بعض الأسماء التي سقطت من كشوف الناخبين فعالجتها بالسماح لهم بالتصويت عند إبراز بطاقة المحامين سارية المفعول وإيصالاً مالياً يدل على تسديد الاشتراك لعام 2005م، وسمحت اللجنة لمندوبي المرشحين بحضور كل عملية التصويت من بدايتها إلى نهايتها في منتصف ليلة السبت وبحضور فرز البطاقات والتوقيع على نتائجها، كما سمحت لعدد من المراقبين بالدخول إلى مراكز الاقتراع وفرز الأصوات متى شاءوا، وتم الفرز في نفس مراكز الاقتراع مباشرة بعد نهاية التصويت.
لقد أبرأت لجنة النقابة السابقة ذمتها بطلب الإشراف القضائي على كل العملية الانتخابية التي تمت بقدر عالٍ من الشفافية والحيدة، لذلك بلغت نسبة التصويت قدرا غير مسبوق حوالي (46%) في حين بلغت عام 2000م (27%) فقط.
ان الفوز المعنوي في هذه الانتخابات يذهب أولا إلى عملية التحول الديمقراطي الذي نرجو أن يتحقق ويستقر في هذا البلد بعد أن سيطرت الأنظمة العسكرية على ثلاثة أرباع فترة الحكم الوطني منذ الاستقلال في 1956م، وأن تكون هذه الانتخابات التي اتسمت بالشفافية والنزاهة نموذجا يحتذى في الانتخابات النقابية والمهنية والنيابية المقبلة، وتقدير سلام للجنة القضائية التي أشرفت على الانتخابات بحيدة ومهنية عالية فضربت المثل بما ينبغي أن يكون عليه الإشراف الانتخابي.
ويذهب الفوز المعنوي ثانيا إلى رموز قائمة التحالف الديمقراطي التي فقدت النتيجة ولكنها سلمت بها بل هنأت القائمة الفائزة وشكرت اللجنة القضائية. فقد أعلن أمين مكي مدني، المرشح المنافس لمنصب النقيب، قبوله بنتيجة الانتخابات رغم تحفظه على بعض الإجراءات الانتخابية وبعث بتهنئة للنقيب الفائز فتحي خليل وأثنى على اللجان المشرفة على الانتخابات، وذهب ساطع الحصري وبعض زملائه في التحالف الديمقراطي خطوة أبعد فكتبوا رسالة إلى لجنة الإشراف القضائية جاء فيها: ان لجان المراكز أدت عملها بشفافية عالية ونزاهة وأعادت الثقة في إمكانية التحول الديمقراطي.
وهذه شهادة نادرة حتى في فترات الديمقراطية التعددية دعك من مرحلة بقايا الشمولية! والديمقراطية الرشيدة تتطلب القبول بالهزيمة الانتخابية كما تتطلب التواضع عند النصر فالغرور بالنصر أول مراقي الاستبداد.
والحقيقة ان قائمة التحالف لم تسجل فوزا معنويا فحسب فإن كسب مرشحها لمنصب النقيب (1385) صوتا مقارنة بأصوات المرشح الفائز (1765) فان هذا كسب مقدر لقائمة انقطعت عن المنافسة الانتخابية لستة عشر سنة، وتعانى من ضعف في إمكاناتها المادية والتنظيمية، ولم تكن في موقف يمكنها من تقديم خدمات للمحامين، وتجهل أحوال الكثيرين منهم بحكم غيابها الطويل عن التعرف عليهم والتعامل معهم، وجرت الانتخابات في ظل سلطة تنحاز وتدعم القائمة المنافسة لها. وهذا الموقف يبشرها بنتيجة أفضل في المرة القادمة ان هى بذلت مجهودا أكبر في كسب تأييد المحامين.
والتهنئة أخيرا لفتحي خليل وقائمته بكسب ثقة المحامين في منافسة شريفة حرة، وبدعوتهم للإشراف القضائي على الانتخابات قاطعين الطريق للقيل والقال في صحة العملية الانتخابية. وليت النقيب السابق (والجديد) كان أكثر رحابة صدر في إدارة الجمعية العمومية واتاح الفرصة لعدد أكبر من رموز القائمة المنافسة بالحديث، فإن تجاهل طلب علي محمود حسنين بالحديث لم يكن موفقاً خاصة وقد تكرر في دورتين بينهما أربع سنوات! ولم أفهم كيف يتم التصويت على قفل باب النقاش وإجازة خطاب الدورة في اقتراع واحد كما جاء في بعض الصحف!
كاتب سوداني