منذ أكثر من سنة ولبنان يدور في الدوَّامة نفسها، تضربه هزّة سياسية فتعقبها عملية تفجير واغتيال. أو العكس بالعكس، الواحدة تتناسل عن الثانية. والمسلسل متواصل. حصلت محاولات ووساطات وضغوطات لوقف هذه الدورة، لكنها لم تتوقف. بل هي تزداد شراسة وتتعقد أكثر. صارت العملية منهكة،وربما في طريقها لتصبح مهلكة لا قدَّر الله، إذا احتفظت بمنحاها الحالي.
فاليوم يعيش البلد أو يواجه عقدة حكومية مستحكمة، مرشحة لأن تتحوَّل إلى أزمة حكم، إذا تعذَّر تجاوزها وتفكيكها. ومثل هذه الأزمة في ظل الوضع الراهن المأزوم في لبنان والمنطقة، تبقى محكومة بالانفتاح على المجهول.
وهذا ما يحمل على حبس الأنفاس، فالمجريات تتوالى بسرعة وبخط بياني متصاعد. وهي من شقين:
الأول: داخلي، يتعلق بالعلاقات بين أطراف الحكومة اللبنانية.
والثاني: جواري، يتعلق بالتوتر السائد بين بيروت ودمشق.
كل شقّ يؤثر ويتأثر بالآخر، وبصورة طردية. وتأتي هذه الموجة من التأزيم، في أعقاب التفجير الأخير، الذي أودى بحياة سياسي وصحافي معروف. كما يأتي في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن 1644 المتصل بالمحاكمة الدولية وتمديد فترة التحقيق في مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري لمدة ستة أشهر أخرى.
وكلها تطورات وضعت الأزمة اللبنانية المتفاقمة على عتبة فصل جديد يحتدم الصراع حوله. لكن مع ذلك، ثمّة ما يلجم التخوُّف ويخفِّف من الهواجس. بل ثمَّة ما يشجِّع على النظر بعين الانفراج، إلى الحالة في لبنان. ويتمثل ذلك بواقعين:
1ـ إن لغة الحوار ما زالت سائدة بين الفرقاء في الداخل، ولا شيء يدل على أن خطوط التواصل بينها مهدَّدة بالانقطاع. بل على العكس هناك إصرار على التشبُّث بها.
2ـ إن المساعي العربية انتعشت مؤخراً ـ ولو متأخرة ـ وهي تتحفِّز للتجدُّد والتزخيم. وثمَّة حديث أن هذه الجهود هي الآن في صدد العمل على فصل الأمور عن بعضها ووضع المعالجات لها؛ بحيث لا تبقى محكومة بجدلية سلبية، تمنع الحلحلة على أي من الجبهات.
وفي هذا الصدد، تظهر علامات ويدور كلام عن رسم «خارطة طريق» للعلاقات اللبنانية ـ السورية تكفل عودة «التهدئة» إليها؛ كمقدمة لإعادتها إلى أجواء «التطبيع». وربما تبريد هذه الجبهة يكون له ارتدادات إيجابية على الجبهة الداخلية؛ بحيث يؤدي ذلك إلى بدء اللملمة فيها. وهو أشد ما تحتاج إليه هذه الأخيرة. رجوع العافية إليها هو المدخل لتفريغ الوضع والعلاقات مع سوريا من كل شحنات التأزيم والتعقيد. بل هو بداية نهاية الأزمة.
وجع الرأس النصفي طالت زياراته الدورية لهذا البلد. العلاج بيد الموجوع، ربما هنا مكمن المفارقة، لكن هنا أيضاً يكمن التفاؤل.