ظلت الصحافة الأميركية لفترة طويلة معياراً ونموذجاً يقتدي به الصحافيون، في مستوى الحرية والاستقلال عن أجهزة الدولة والالتزام بمهمة البحث عن الحقيقة والدفاع عن حق القاريء في المعرفة، دون اعتبار لمصلحة صاحب سلطة سياسية أو اقتصادية أو رغبة في استرضاء أو التربح من ورائه على حساب حق القاريء في الوصول الى المعلومة الموثقة التي تتيح له اتخاذ موقف.
مما يجري حوله من أحداث دون قهر أو إرغام، سواء تحت تأثير الخداع المتعمد بإخفاء المعلومة الحقيقية، وإشاعة أخرى زائفة أو خلط الرأي بالخبر.
على ان هذا التاج سقط عن رأس تلك الصحافة، بعد ان لطخت فضائح وأكاذيب الإدارة الحالية وجهها، وجعلتها تخوض في أوحال الخداع والتزييف، وترويج الأكاذيب ولدرجة باتت معها تتخبط في سلسلة متصلة من الأخطاء الفاضحة، التي ضربت صحفاً كبيرة لها تاريخ لا ينكر، وميراثاً مشهوداً من المصداقية والمهنية.
وأحدث فضائح جماعة المحافظين الجدد الذين حولوا الولايات المتحدة إلى إحدى جمهوريات «قمعستان» وسقطوا بمصداقية الصحافة الأميركية الى الحضيض، فضيحة التجسس على الأميركيين من وراء ظهر السلطة القضائية ودون اعتبار للقانون وحق الإنسان في احترام خصوصيته.
ورغم ان صحيفة نيويورك تايمز هي التي هتكت ستر فضيحة التجسس والتصنت الهاتفي، إلا أنها لم تنجح في ستر عورتها وأخفائها للحقيقة لمدة عام تلبية لرغبة البيت الأبيض، وتحت زعم حماية الأمن القومي الأميركي، وحرمان الإرهابيين من معرفة معلومات قد تفيدهم في عملهم العدائي.
وحسب ما نشرته الصحيفة فإنها ظلت تخفي تقريرها وتحجبه عن القراء بعد التشاور مع المسؤولين في إدارة الرئيس جورج بوش، واقتناعها بمبرراتهم، وعندما نشرته يوم الجمعة الماضي لم توضح السبب في تراجعها عن حجب النشر، وهل استجد شيء جعل الأمن القومي في مأمن من الإرهابيين، أم هناك أسباب أخرى؟
الحقيقة ان ما فعلته النيويورك تايمز جاء في سياق المنافسة المهنية، ومحاولة لاستعادة مصداقية بددتها الشراكة مع المحافظين الجدد وجماعة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في أكبر عملية كذب وتزييف لتبرير الحرب على العراق، بترويج امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وكما هو معلوم فإنها كانت المنبر الرئيسي ومنصة «إطلاق أكاذيب» «يورانيوم النيجر».
وسعي بغداد لتصنيع قنبلة نووية، وعندما فضح السفير السابق ويلسون الكذبة، عوقبت زوجته فاليري بالم بكشف وظيفتها كعميلة للمخابرات «السي. آي أيه» وسجنت الصحافية جوديث ميللر 83 يوماً لرفضها الكشف عن اسم مصدرها .
وهو كبير مساعدي نائب الرئيس ديك تشيني، وبعد التوصل لتسوية اعتزلت ميللر المهنة ربما لاكتشافها المتأخر للمدى الذي استغفلتها الإدارة به وجعلتها مجرد مزمار من مزامير الكذب.
ويبدو أن الشراكة في الكذب مع صقور المحافظين الجدد وجماعة «البنتاغون» استوطن النيويورك تايمز، التي اصيبت بنكبات متوالية على مدار الأعوام الأخيرة.
وجعلتها تخفي المصدر الرئيسي لضربتها الصحافية الأخيرة، وهو كتاب سينشره منتصف الشهر المقبل أحد كبار محققيها جيمس رايسين «حالة حرب: التاريخ السري للسي آي ايه وإدارة بوش»، وهو الأمر الذي دفع الى السخرية منها في مقال مطول بقلم كبير كتاب الواشنطن بوست بول فارهي، وذكرها بأن صحيفته نشرت فضيحة «السجون الطائرة» .
وشبكات المعتقلات السرية التي تديرها السي آي أيه في الخارج، واستشارات أرفع مسؤولي البيت الأبيض قبل النشر ولم يطلب حجب القصة عن القراء، سوى الجزء الخاص بالمعتقلات السرية في أوروبا الشرقية، ربما لانه سيفضح كل أكاذيب أميركا عن حلم الحرية الذي دغدغدت به مشاعر وقلوب شعوب تلك الدول، قبل ان تفيق على كابوس «ديمقراطية السجون الطائرة».
وقبل ان نتوه نحن في غيبوبة أوهام صحافة آل بوش، نذكر بأن صقور البنتاغون هم المسؤولون عن هذه الحالة المزرية التي جعلت الشعب الأميركي يغرق في وحل الحرمان من حرياته الأساسية.
ويعاني من أمراض التجسس عليه، ويفقد حقوقه مثل ضحايا النظم غير الرشيدة، التي تصدعنا واشنطن بحديثها عن ضرورة تغييرها، وتقيم سرادقات للديمقراطية المزيفة، لتبرير تدخلها وهيمنتها وبالتالي تثير أوسع موجة كراهية لم تعهدها أميركا في تاريخها على قصر مداه الزمني.