مازال الرئيس الأميركي جورج بوش يعتقد أن الحرب في العراق والحرب ضد الإرهاب يقودان إلى هدف واحد ألا وهو حماية المصالح الكونية للولايات المتحدة وترسيخ الأمن والاستقرار العالميين وحماية الحلفاء سواء كانوا في منطقة الشرق الأوسط أو خارجه، مؤكداً أن الحربين على الجبهتين مرتبطتان ببعضهما بشكل مباشر إذا لم نقل بشكل عضوي.

ولا يزال الرئيس بوش يعتقد جازماً بأن قرار شن الحرب على العراق كان صائباً بالرغم من اعترافه بأن المعلومات التي وفرتها وكالة الاستخبارات الأميركية قبل الحرب كانت خاطئة، لكنه في نفس الوقت دافع عن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق للإطاحة بنظام صدام حسين .

مؤكداً أن الحرب لا يزال لها ما يبررها لا سيما وأن نظام البعث في العراق شكل تهديداً مباشراً لأمن الشعب الأميركي والعالم. وهذا كله شكل المحور الأساسي لخطابه التلفزيوني الأخير، من مكتبه في البيت الأبيض وهو الأول من نوعه منذ بدء الحرب على العراق.

حينما أكد الرئيس بوش أن العراق تحول الآن إلى حليف قوي في الحرب على الإرهاب وقوة مؤثرة لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وأن «الإرهابيين» في العراق أصبحوا يشعرون بتضييق الخناق عليهم وهم الآن يخشون قيام عراق حر وديمقراطي.

الحقيقة أن اعتراف الرئيس بوش بخطئية المعلومات التي وفرتها وكالة الاستخبارات الأميركية للإدارة الأميركية لشن الحرب على العراق هو أمر جيد لا يحصل عادة إلا في الدول التي يتوفر لديها أنظمة سياسية حرة وديمقراطية.

لأن مثل هذا الأمر يتطلب جرأة وشجاعة من القيادة السياسية لما قد يترتب على هذا الاعتراف من تداعيات سياسية كبيرة قد تقود إلى إطاحة الرئيس من منصبه باعتباره المسؤول الرئيس في اتخاذ القرار.

ولكن من جهة أخرى يجب أن لا ننسى أن الاعتراف وحده ليس بالضرورة أن يكون كافياً بل ومقنعاً سيما وأن اتخاذ قرار سياسي بشن حرب وغزو دولة ذات سيادة والإطاحة بنظامها، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام، هو قرار صعب ومسؤول ويجب أن يكون الملاذ الأخير لصانع القرار في حال وجود خطر حقيقي كما صورته إدارة الرئيس بوش قبل الحرب.

كما يتطلب قرار الحرب ضد دولة أخرى أن يكون قانونياً وشرعياً من خلال اللجوء إلى المؤسسات الدولية وتحديداً الأمم المتحدة لإصدار قرار دولي واضح يسمح بشن الحرب لتحقيق أهداف محددة تنتهي بعدها الحرب مباشرة مثلما حصل في عام 1990 حينما قام نظام صدام حسين بغزو الكويت التي هي عضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة.

وهذا الجانب القانوني والشرعي لم يكن متوفراً في الحرب الأخيرة على العراق مما يعني أن العالم بأكمله وليس فقط الشعب الأميركي والمشرعين الأميركيين والإدارة الأميركية قد تم تضليله عن طريق المعلومات الخاطئة التي وفرتها وكالة الاستخبارات الأميركية في عام 2003.

بالتالي ألا يؤسس هذا الاختراق الدولي لوضع يحق عنده للشعب الأميركي الذي يتمتع بنظام سياسي حر وديمقراطي والشعب العراقي الذي تم غزوه واحتلاله والأمم المتحدة التي تم تهميشها ومنطقة الشرق الأوسط التي تعيش حالة من اللااستقرار واللاأمن أكثر من أي وقت آخر والعالم الذي أضحى أكثر تخبطاً من ذي قبل بسبب الحرب على العراق.

ومن ثم ربطه بالحرب على الإرهاب، الأمر الذي لم يكن سائداً من قبل أن يطالب بتحقيق أميركي داخلي أو حتى دولي من خلال الأمم المتحدة للوصول إلى معرفة لأسباب الغزو الأميركي للعراق واحتلاله.

وهذا الأمر يجب أن ينظر إليه على أنه ركن حقيقي وجوهري من أركان النظام الحر والديمقراطي الذي يضمن حماية الشعوب من الطغيان والعبث بحياة ومقدرات الشعوب ويقود إلى العدل الذي أشار إليه الدستور والقانون الأميركيين بشكل لا لبس فيه ويمنع حدوث هكذا خروقات لمصالح ذات قد تكون سياسية أو اقتصادية أو مادية.

من ناحية أخرى أليس من الضروري بعد أن وقع ما وقع من أخطاء وبعيداً عن من يتحمل أية مسؤولية أن تقدم إدارة الرئيس بوش استراتيجيه واضحة وحقيقية وواقعية لمستقبل العراق والوجود الأميركي في العراق. لقد شرح الرئيس بوش في خطابه الأخير قبل أيام قليلة أن استراتيجيته تقوم على ثلاثة محاورأساسية هي:

الأول: تحقيق الأمن عن طريق تجهيز وتدريب القوات العراقية لتتمكن من التصدي للإرهابيين.

الثاني: مساعدة الحكومة العراقية على إقامة نظام ديمقراطي يمثل كل العراقيين.

الثالث :الاستمرار في عملية إعادة بناء الاقتصاد العراقي.

ولكنه بهذا الطرح لم يأت الرئيس بوش بجديد يقود العالم بما فيه الشعب الأميركي إلى أن يرى بصيصاً من الأمل فيما يتعلق باستراتيجية الخروج من المستنقع العراقي بأقل الخسائر للولايات المتحدة والشعب العراقي.

الرئيس بوش أقر بأن الحرب في العراق صعبة، وأنها «أصعب مما توقعت الإدارة الأميركية»، رافضاً ما يقوله البعض من أن واشنطن تخسر الحرب في العراق، وطالب الشعب الأميركي أن يتحلى بالصبر.

معتبراً ما يجري من أحداث في العراق بأنها قضية صعبة ونبيلة وضرورية، محذراً في نفس الوقت من «الانهزاميين الذين يرفضون رؤية أي شيء يتم بشكل صحيح» في العراق الذي أصبح يشكل جبهة أساسية للحرب على الإرهاب.

كما رفض الرئيس بوش فكرة الانسحاب من العراق قبل إتمام المهمة المطلوبة محذراً من أن مثل هذا الانسحاب سيعني التخلي عن أصدقائنا في العراق، وتقديم العراق «للإرهابيين»، الأمر الذي ستصبح معه حركة الإرهاب العالمي أشد قوة.

ولكن الشعب الأميركي لديه رأي آخر. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تشير أن أغلب الأميركيين غير راضين عن أسلوب معالجة بوش للحرب، كما يشكك بعض المشرعين في المدة التي يتعين خلالها أن تبقى فيها القوات الأميركية في العراق.

وقد أشار استطلاع للرأي أجرته هيئة جالوب لصالح شبكتي يو إس إيه توداي وسي إن إن الإخباريتين ونشرت نتائجه قبل أسبوع إلى أن حوالي 60% من الأميركيين مستاؤون من أسلوب معالجة الرئيس بوش لحرب العراق.

إضافة إلى ذلك وفي مجلس الشيوخ الأميركي، وقع 40 عضواً من الديمقراطيين وعضو مستقل على رسالة موجهة للرئيس الأميركي دعوه فيها إلى أن يكون صريحاً مع الشعبين العراقي والأميركي.

كما تطالب الرسالة بضرورة أن تقوم الإدارة الأميركية «بإخبار قادة جميع الجماعات والأحزاب السياسية في العراق بأنهم بحاجة لإتخاذ الحلول الوسط اللازمة لتحقيق التسوية السياسية الدائمة والواسعة النطاق الضرورية لهزيمة المسلحين في العراق في غضون الجدول الزمني الذي حدده القادة لأنفسهم».

وطالبت أيضاً أنه يتعين على الرئيس بوش أن يضع «خطة تحدد المعايير القياسية السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يتعين الالتزام بها والجدول الزمني المعقول لتحقيقها».

وبناء عليه، فإن الإدارة الأميركية مطالبة بموقف صريح وحاسم تجاه الأحداث التي تجري في العراق وتجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بأكمله قبل أن تسوء الأمور أكثر من ذلك وتصبح الحلول مستعصية بل ومستحيلة ويدفع الشعبان العراقي والأميركي ثمناً باهظاً نتيجة الاعتماد على «معلومات خطأ» من هذه الجهة أو تلك .

ويستمر سيناريو الربط بين الإرهاب والحرب على العراق إلى سيناريو أكبر ليشمل دولاً أخرى في منطقة لا تحتمل المزيد من الأخطاء.

isam997@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي