ثلاث نساء من دارفور تحتل صورتهن الصفحة الأولى لجريدة الإندبندنت البريطانية (19/12) في إطار مناشدتها الإنسانية المجتمع الدولي بمساعدة منكوبات تلك المنطقة بمناسبة عيد ميلاد السيد المسيح.

وأولئك النسوة هن عينة من ضحايا حرب تدور رحاها في منطقة دارفور الواقعة في غرب السودان منذ سنوات طويلة، حصدت إلى الآن أرواح ثلاثين ألفاً وشردت ما يقارب المليونين من السكان.

والنسوة ينتمين إلى مخيم أبو شوك الذي يتخذه خمسون ألفاً من المشردين ملجأ لهم. واختارت الجريدة عنواناً يثير الشفقة ويحرك أريحية المحسنين وهو: «كيف يشتري 60 بنساً فقط الأمل لنساء دارفور»!!

والفكرة تشير إلى توفير مبلغ 60 بنساً هو ثمن بعض الطين وبعض الروث الحيواني وبضع ساعات من التدريب لمساعدة نساء مخيم أبو شكوك وملايين غيرهم من لاجئي دارفور على استخدام فرن طهي بدائي يوفر الوقود المطلوب للطهي بمقدار الثلثين،.

وهو ما يوفر عليهن مخاطر وعناء البحث خارج المخيم عن وقود الطهي. وتتمثل هذه المخاطر في تعرض هؤلاء النسوة للقتل أو الضرب أو الاغتصاب على أيدي المليشيات المسلحة في المنطقة وأشهرها «الجنجويد».

ونساء دارفور اللواتي ينتظرن «الصدقة» من الغريب ينطبق عليهن قول الشاعر: «الماء عندك مبذول لشاربه...»!! فأرض السودان التي يقيمون عليها مخيماتهن البائسة ملأى بالخيرات.

وأبرزها النفط، الذي بلغ إنتاجه 340 ألف برميل يومياً ومقدر له أن يصل إلى 800 ألف برميل يومياً بعد أن تنتهي أعمال مد خط التمديدات لحقل «ميلوت». بيد أن العائدات الكبيرة لتلك الكمية من النفط تذهب ثلثاها إلى الآلة العسكرية السودانية.

ولعل حال نساء دارفور هي واحدة من بلايا أفريقيا(جمع بلوى) المسكونة بالفقر والمرض والاضطرابات السياسية والحروب والفساد وغيرها من الآفات والمشاكل.

تشير وثيقة لمجلس العلاقات الخارجية بالكونغرس نشرتها جريدة النيويورك تايمز(7/12) إلى أن الأمم المتحدة منذ العام 1948 قد بعثت 54 قوة سلام إلى أفريقيا، ويتواجد بها حالياً ثمان من تلك القوى تتمركز في بوروندي وساحل العاج وجمهورية الكونغو والحدود الأثيوبية الاريترية وليبيريا وسيراليون وغرب أفريقيا.

وتعزو الوثيقة تفاقم المشاكل في السنوات الأخيرة إلى نتائج انتهاء الحرب الباردة وما خلفته من انهيارات لبعض الأنظمة وتلاشي مؤسسات الدولة وهياكلها كحال ليبيريا والصومال وسيراليون والكونغو فضلاً عن الصراع على الموارد الطبيعية، كالذهب والكوبالت في الكونغو والألماس في سيراليون، هذا إلى جانب عوامل أخرى.

التشبث بالسلطة هو إحدى بلايا القارة الأفريقية بالذات لأولئك الذين قادوا حركات تحرر «واستَحْلوا» كرسي الحكم كزعماء أوغندا وارتيريا وراوندا وزمبابوى. بل لا يتورع البعض منهم بغية الاحتفاظ بكرسي الحكم من أن يرمي بشعبه في أتون الحرب.

كما هو المتوقع من ميليس زيناوي، رئيس وزراء أثيوبيا(أو حاكمها الفعلي) الذي يواجه معارضة متنامية جراء تزويره للانتخابات التي جرت في الخامس عشر من مايو الماضي، كما تذهب الكرستيان ساينس مونيتور الأميركية(7/11). ولعل أقرب متنفس له هو التحرش بجارته ارتيريا التي لم يعترف لها بترسيم الحدود الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 2002.

ويحتشد الآن حوالي ربع مليون جندي على جانبي حدود البلدين البالغ طولها حوالي ألف كيلومتر. والبلدان دخلا في حرب طاحنة في العام 1998 استمرت إلى العام 2000 وراح ضحيتها ما يقارب السبعين ألفاً عدا الجرحى والخسائر المادية.

وارتيريا المستعمرة الإيطالية السابقة التي ضمها هيلاسي لاسي إلى أملاكه في العام 1952 شهدت ثلاثين عاماً من الكفاح المسلح الذي تكلل باستقلالها عن أثيوبيا في العام 1993.

وقد حرم ذلك الاستقلال أثيوبيا (وهي دولة شاسعة المساحة يفوق سكانها السبعين مليوناً) من إطلالتها البحرية بالذات من استخدام ميناءي مصوع وعصب، مما جعل مسألة الحدود قابلة للتفجر بين البلدين في أية لحظة وتحت أي مبرر، كما ترى التايمز البريطانية(8/12).

أما الفساد الإداري فضارب أطنابه في مؤسسات الدولة في تلك القارة المسكينة ومستشر في عروقها. فطبقاً لمجلة دير شبيغل الألمانية (نسختها الإنجليزية على الإنترنت 7/12) حصلت نيجيريا خلال العقود الثلاثة الماضية على280 مليار دولار من مبيعاتها للنفط، انتهت معظمها إلى جيوب السياسيين المرتشين.

وتشير المجلة إلى أنه تحت سمع وبصر الدولة، فقد تم سرقة 50 ألف برميل نفط يومياً في العام 2004 تقدر قيمتها بمليار دولار، والأغرب من هذا وذاك، اختفاء ناقلة نفط قبالة ساحل نيجيريا حيث أصبحت أثراً بعد عين. والطريف إن اسم الناقلة African Pride أي مفخرة أفريقيا!!

والقارة ليست بمنأى عن القوى الدولية الكبرى وسعيها نحو الاستحواذ على الخيرات ومناطق النفوذ، لكن السادة قد تغير وضعهم، إذ أفل نجم البعض منهم (بريطانيا وفرنسا) وعلا شأن آخرين منهم (الولايات المتحدة).

لكن دير شبيغل تفاجئنا بظهور سيد جديد وهو الصين، المتعطشة للنفط والأسواق. فأينما تخرج الشركات الأميركية من الباب، تدخل الصين من الشباك، كما حصل بالسودان، حيث تقوم الصين باستيراد 60 بالمئة من إنتاج النفط السوداني، ويقوم جيش من عمالها ببناء خط طوله 1500 كيلو متر من حقولها الجنوبية إلى بورت سودان على البحر الأحمر.

أما الولايات المتحدة فيسيل لعابها على نفط ساحل غرب أفريقيا، حيث حظيت المنطقة بسبعة مليارات برميل من أصل ثمانية مليارات تم اكتشافها في العام 2003 على نطاق العالم، وتقدر احتياطاتها بأكثر من 100 مليار برميل (وهو بحجم احتياطات العراق)!!

لا أحد يستطيع التنبؤ بطريق لخلاص أفريقيا من بلاياها، لكن الشعوب سعياً منها للتطور والتقدم لن تعدم وسيلة لتلمس الطريق.

alyusefi@hotmail.com

كاتب كويتي