الانتخابات العراقية تطير بجناح واحد، فمن يسمع الأميركيين، يعتقد أنها تتم في بلد مثل السويد أو سويسرا، ومن يشاهد ممثلي الأحزاب، والجبهات المختلفة من العراقيين، يجد نفسه وسط فوضى تتعالى فيها الأصوات، والتي نأمل أن لا تكون انتخابات تفجر باقي الحزازات، لتصبح ديمقراطية الحرب الأهلية، بدلاً من التآلف على وطن اسمه العراق..

نعم هي تجربة، جاءت بعد كوارث، وأخطاء، وحروب وعزلة طويلة، وولادة أجيال في الوقت الضائع، وهذا ما فرض أن تكون الطائفة والقبيلة فوق الوطن، ومثل هذه الولاءات لم تحددها فلسفة ما، وإنما وجود هذا الجيل المأزوم الذي تتالت عليه المآسي، ومعها فقد قيم الوطن، مما جعله يلجأ لأي منقذ بغية الوصول إلى العيش الآمن والكريم..

العراق تاريخ عظيم، وثراء هائل، وشعب لديه القدرة لأن يعيد توازنه، لكن أن يصبح للخارج دور مؤثر، وبرعاية شبه ظاهرة من قبل أميركا، فالصورة قد تختلف، وحتى الذين يراهنون على الطائفة، يدركون أن ما يجمع ويفرق السنّة والشيعة، وإن ظلتا خلف الشعار، هي القبيلة، والتي إذا ما تحركت، وتحالفت فقد تُسقط كل القوى، وأيضاً لهذه مخاطرها، لأن عشائر أخرى قد تدخل تحالفات، وبالتالي يفقد الوطن هويته، ويصبح أمر الحرب بين التيارات قضية ثابتة..

المعادلة الصحيحة هي أن تكون الانتخابات، بالفعل نزيهة، ومراقبة بشكل جيد، حتى لا تتحول القضايا الصغيرة، إلى أحداث كبيرة، ومن ثم يخسر الجميع، وحتى لو كنا متفائلين بمسار هذه الانتخابات كحل موضوعي يمكنه أن يخفف التناقضات، ولا يلغيها، فإن قضية أن تتحول إلى مزادات ومزايدات بين طائفة وأخرى، وتحالفات تريد أن تكون لاعباً خارج مدار الصراع الطائفي.

فإن الصوت سيبقى مجرد تمثيل اضطراري، وليس قناعة بالشخص، أو الحزب، وحتى الطبقات المثقفة التي تطرح مشروع العراق المتعدد المذاهب والأديان، والقوميات، هي أقلية أمام تيار الأمية الذي يركض خلف الزعيم الروحي أو شيخ القبيلة، وهنا لابد أن تدرك أميركا، أن من مصلحتها الأساسية إذا كانت بالفعل تريد ترسيخ مشروعها الديمقراطي، أن تكون محايدة بين صراعات هذه التيارات، وإلا ستجد نفسها الخاسر الأكبر، ليس فقط عسكرياً، وإنما سياسي.

لأن دول المنطقة تراقب هذه الأحداث، بما فيها دول غير عربية، وربما الكثيرون يريدون هزيمة أمريكا، وقلة تريد نجاحها، لا حباً فيها، ولكن خوفاً على العراق من الانزلاق إلى حرب أهلية، وبؤر تفريخ للإرهاب من كل القوى..