العلاقات التي تربط دول الخليج ببعضها تخرج عن إطار جغرافيا المكان والزمان، فهي علاقات متداخلة ومتجذرة وفوق الاستراتيجية، غير أنها لم تستثمر حتى الآن لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود في المنظومة الخليجية.
ومما لا شك فيه أننا أبناء الخليج نعيش في كنف جغرافيا سياسية متميزة، أرسى قواعدها قادة التعاون، الذين وضعوا لبنات تأسيسه، وتمكنوا بفضل إرادتهم وعزيمتهم من بلورة كيانه إلى حيز الوجود.
وتمضي سفينة المجلس بحكمة قادته كالطود تقهر جميع العوامل التي تسعى الى تفتيت بنيانه، وهي اليوم تحتفل بانعقاد القمة السادسة والعشرين في دولة الإمارات.
مع ذلك لم يعد المصير الواحد الذي قام عليه بنيان التعاون المحك الرئيس لبقائه، واستمراريته، إذ باتت الظروف المعاصرة تملي على دولة التكامل، والتفاعل مع بعضها البعض اقتصاديا كما هي تتفاعل سياسيا، فهي ان لم تتقارب أكثر يوما بعد يوم ستواجه الكثير من الصعوبات والمعوقات التي ستعرقل عملية التلاحم والاندماج بين كيانات دولنا الخليجية مستقبلا.
ولأن دول مجلس التعاون أجزاء تكمل بعضها البعض سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي فإنه من غير العملي ما نراه من مظاهر التنمية الاقتصادية التي تحفل بها دول الخليج حاليا، والتي جعلتها محل التنافس فيما بينها، عوضا عن التكامل الذي سيجعل الخير يعم الجميع.
ذلك أن الواقع الذي تتعامل به بعض دول الخليج مع بعضها اليوم هو الواقع ذاته الذي تعاملت من خلاله سنغافورة كدولة اقتصادية في السبعينات والثمانينات عندما برزت كتجربة فريدة في قارة آسيا، في الوقت الذي كانت دول المنطقة لا تزال تعاني فيه من التخلف الاقتصادي.
في بداياتها كانت سنغافورة تتخوف من انتقال الطفرة الاقتصادية التي تعيشها إلى الدول من حولها، ولكنها بعد فترة توصلت إلى قناعة بأهمية إشراك البلدان المجاورة لها فيما هي فيه من رفاء، فقامت بتحويل جميع الصناعات العادية بالنسبة لها إلى البلدان المجاورة نظرا لرخص الأيدي العاملة فيها، بينما احتفظت هي بزمام إدارة العمل التجاري والاقتصادي.
نأمل في أن يأتي ذلك اليوم الذي تتخصص فيه كل دولة خليجية بصناعة معينة، سواء كانت اقتصادية أو سياحية أو تجارية أو تعليمية أو علاجية أو غيرها، وبالتالي تستفيد كل دولة من دولنا من جاراتها وشقيقاتها، ويتحقق التكامل بيننا، وهو المحك الذي سيوطد أواصر العلاقات التي تربط دولنا بعضها ببعض، ويرسخ التعاون الخليجي المنشود.