بين النظرية والتطبيق بون شاسع واسع المدى، بين الفكرة وانعكاساتها على الأرض مصالح شتى لا يساور أصحابها أدنى مستويات الخجل حين تتحرى راياتهم كاشفة عن المستور من خبث مقاصدهم المشبعة بالأنانية والرؤى الضيقة، التي لا تطال أبعد من أنوفهم، ضاربة عرض الحائط كل ما تتوق إليه مجتمعاتهم من عدالة وحرية وعيش كريم، حتى لو دفعت الأخيرة ثمن هذه اللامبالاة دماً وجوعاً وعبودية.
المجتمع الفلسطيني في الداخل يقف على عتبة حرب أهلية طاحنة إن استمر الوضع على حاله، بعد أن وصل حراكه السياسي إلى مرحلة كسر العظم بين قوى باعها قصير جداً في حرفة الديمقراطية وما يترتب عليها من تنازلات متبادلة ومؤلمة أحياناً لكن لا مناص منها في جميع الأحوال إذا أريد لهذه المسيرة ان تتواصل بصورة طبيعية.
ومن دون أن يكون على أحد دفع أثمان باهظة لا لزوم لها من الزاوية الوطنية، فحركة فتح، التي كانت تمثل كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية لن تسلم بسهولة بالنصر الكاسح، الذي حققته حركة حماس أخيراً في الدورة الرابعة من انتخابات المجالس البلدية في أربع من كبريات مدن الضفة الغربية.
وبالتالي، فإنها ترى ضرورة ملحة في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للحيلولة دون تكرار هذه التجربة في دورات انتخابية أخرى في الأطر التشريعية والتنفيذية الفلسطينية الأخرى.
في المقابل، بات من المؤكد أن حركة حماس لم تعد تتعامل مع لعبة الديمقراطية ضمن حدود المدن والبلدات أو النقابات والجامعات فحسب، بل انها تطرح نفسها بديلاً وطنياً شاملاً.
بكل ما للكلمة من معنى وها هي تتحضر الآن لخوض غمار الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في يناير المقبل، مشرعة بندقية المقاومة بيد وغصن زيتون البرلمان باليد الأخرى، وبالتالي، فإن الحركة لن تكون رحيمة هذه المرة .
وترأف بما تشهده حركة فتح ومعها السلطة الفلسطينية من حالة انقسام حادة بيد أن لا رجعة عنها بين جيل الشباب والمحليين بقيادة مروان البرغوثي من جهة والحرس القديم والعائدين برئاسة محمود عباس من الجهة الأخرى.
كما أنه لم يعد يجدي نفعاً التذرع بأن فتح ما زالت تمثل حركة تحرر وطني، تعكس تطلعات شعب يرزح نصفه تحت الاحتلال الصهيوني الكريه ويهيم نصفه الآخر على وجهه في غياهب الشتات المظلمة، فلقد حسمت هذه الحركة، التي كان لها الفضل في إطلاق رصاصة الثورة الأولى عام 1965، خيارها منذ توقيع اتفاقات «أوسلو» باتجاه التحول إلى موقع الحزب الحاكم، الذي لا هم له سوى البقاء في سدة الحكم .
والانتفاع من نفوذ السلطة ومداراة تحالفاتها والتزاماتها تجاه القوى الدولية المؤثرة، مثلما يفعل أي نظام تسلطي من أنظمة ما يسمى «العالم الثالث»، بمعزل عن انعكاسات هذا النهج التخاذلي على الوضع الداخلي وما يحدثه من انقسامات واصطفاف يحول دون إزدهار الوحدة الوطنية.
الجميع يتمنى أن تكون هذه النظرة سوداوية الملامح زيادة عن اللازم والجهة الوحيدة القادرة على تبديد هذه الغيمة القاتمة هي حركة فتح بالذات، لكن مصائر الشعوب لا تحددها التيمنات والوقوف على الأطلال، بل الانغماس حقاً في هموم الشارع.
وتحسس نبضه الحقيقي والابتعاد عن المصالح الحزبية والفئوية والجهوية، الأمر الذي يتطلب التحلي بمرونة قصوى، تسمح لصاحبها بالتشبث بمواقفه أو التنازل عن بعضها أو كلها إذا كانت مصلحة الوطن والمواطن تتطلب ذلك.
لكن كل ذلك لن يستقيم أبداً من دون أن تتعلم القوى السياسية الفلسطينية كيف تحترم خيارات الشعب الذي تمثله أو من دون أن تدرك جدلية العلاقة التي تربطها به.
حيث يتعين على هذه القوى، مهما علا شأنها، ان تتواضع وتعترف، في نهاية الأمر، بأن الشعب نفسه هو الذي يمهد الطريق أمام بروز أطره السياسية والتنظيمية وليس العكس مطلقاً.
وبالتالي، فإنه ليس في وسع هذه الأطر سوى الرضوخ عند رغبته في الالتفاف حول هذه القوة السياسية أو تلك، على أن تنأى بنفسها عن فرض نفسها بأي وسيلة كانت، لأن هذا المسلك يمثل نوعاً من الاحتباس السياسي، الذي لابد وأن يعبر عن نفسه على شكل كوارث مدمرة تطال الجميع دون استثناء.