ما ان انتهت الجولة الأولى من انتخابات مجلس الشعب في مصر، وظهر تفوق المرشحين المستقلين والمنتمين لجماعة الإخوان وتراجع مرشحي الحزب الوطني الحاكم.. حتى بدأ الحديث عن حل مجلس الشعب. وبدأ التخمين عن المدة التي سيستمر فيها في أداء عمله، والصدامات التي ستقع في المجلس وتؤدي لهذا الحل!

ومع استمرار المعركة الانتخابية، واستمرار الحالة الانتخابية على حالها، واستمرار النتائج التي تقرر بوضوح أن الإخوان المسلمين سيكونون فريق المعارضة الرئيسي في مجلس الشعب، مع احتفاظ الحزب الوطني الحاكم بأغلبيته البرلمانية بعد ضم المرشحين الذين خاضوا الانتخابات بوصفهم مستقلين إلى عضويته، ومع الانحسار المؤسف في نتائج باقي الأحزاب المعارضة الرئيسية.

. بدأ البعض يصرخ بأن «الحل هو الحل» رداً على شعار الإخوان المسلمين الذين خاضوا المعركة به وهو «الإسلام هو الحل»، وتعبيراً عن اليقين بأن هذا البرلمان الذي ما كادت وقائع انتخابه التي اتسمت بالعنف والرشاوى الانتخابية خاصة في مراحله الأخيرة تنتهي سوف يكون مصيره الحل العاجل!

وفي تقديري أن ذلك كله بعيد عن الصحة، ،ان الفريقين الأساسيين في المجلس (الحزب الوطني ـ الإخوان المسلمين) سوف يبذلان كل الجهود للحفاظ على المجلس ولتحقيق أكبر قدر من التفاهم تحت قبة البرلمان.

صحيح أن الوضع سيختلف مع وجود كتلة برلمانية معارضة تملك 20% من مقاعد البرلمان، ولكن المتوقع أن يستطيع الفريقان التعايش تحت قبة البرلمان ربما بأفضل مما كان الوضع خارجه لسنوات طويلة.

ومن جانب الإخوان المسلمين.. فإن حل البرلمان لن يكون في صالحهم، وهم يدركون ذلك جيداً، ويدركون أن ما حققوه من نتائج يفوق الحد الأقصى الذي كانوا يطمحون إليه.

وأن عوامل عديدة ساهمت في تحقيق هذه النتيجة في ضوء تراجع أحزاب المعارضة وأزمة الحزب الوطني ورغبة الناخبين في إعطاء أصواتهم لمعارضة صريحة دفعت ثمن معارضتها في السنوات القريبة ومازالت.

الإخوان المسلمون بهذه الانتخابات لم يعودوا الجماعة «المحظورة» فقد فرضوا شرعيتهم داخل وخارج البرلمان، وحصلوا على تمثيل يوازي أو يزيد عن قوتهم الانتخابية، وفرضوا أنفسهم كقوة المعارضة الرئيسية دخلت الانتخابات تحت شعارها الأساسي، ولم تعد تخشى ان تعامل بعد الآن «وهي تمثل خمس مقاعد البرلمان» على أنها جماعة خارج القانون..

ومن هنا سوف يكون الشغل الشاغل لنواب الجماعة أن يؤكدوا وجودهم كمعارضة لا تهتم بمصادرة كتاب أو محاربة مطربة كما يشيع ناقدوها.

ولا تسعى لفرض الدولة الدينية على المجتمع، وإنما كحزب يهتم بشؤون الوطن ويطرح الحلول لقضاياه ويسعى لتأكيد انه عندما يتحدث عن الإسلام كدين ودولة، فإنه لا يقصد دولة دينية كما في إيران.

وانما يسعى للدولة مدنية مازال عليه ان يقدم اجتهادات كثيرة في شأنها في ظل التضارب بين ما يطرحه من تصورات للدولة وبين ما يتمسك به كجماعة!

المهم أن الأخوان المسلمين لن يفرطوا في الفرصة التي جاءت والتي كانت أكثر من أحسن توقعاتهم تفاؤلاً، ومن هنا سوف يحرصون على بقاء البرلمان، وسوف يسعون دائماً للحلول الوسط مع الأغلبية.

وسوف يعتبرون ان مدة البرلمان «خمس سنوات» فترة ملائمة لتقديم نموذج لأداء برلماني نشيط وغير فاسد من ناحية، ولتمكين الجماعة من الحركة على الأرض في حماية الشرعية التي يفرضها وجودهم البرلماني من ناحية أخرى.

على الجانب الآخر فإن الحزب الوطني لن يغامر بالدخول في انتخابات أخرى جديدة لمجلس شعب جديد إلا إذا ضمن ان الظروف قد تغيرت تماماً لصالحه، وهو أمر يستدعي تعاملاً جاداً مع المشاكل الأساسية مثل البطالة ومحاربة الفساد وانحسار الخدمات التي تقدمها الدولة..

وهي قضايا من غير المنظور ان يتحقق فيها شيء أساسي في القريب العاجل، وهي القضايا التي استغلها المنافسون «وفي مقدمتها الأخوان المسلمين» في مواجهة الحزب في الانتخابات الأخيرة.

وصحيح أن الحزب يتمتع الآن بالنسبة التي كان حريصاً على تحقيقها لكي يمتلك النصاب القانوني لتمرير القوانين التي تحتاج لأغلبية الثلثين فهو الآن يشغل 2, 27% من مقاعد البرلمان، ولكن هذه النسبة لا تخفي حقيقة أن المرشحين الرسميين الذين رشحهم الحزب وهم 444 مرشحاً.

حيث حرص الحزب على التقدم بمرشحين في كل الدوائر الانتخابية، هؤلاء المرشحون لم ينجح منهم إلا 134 انضم إليهم 178 مرشحاً الذين خاضوا الانتخابات كمستقلين.. وهو ما وفر للحزب الأغلبية المطلوبة، ولكنه لم يخف ان ثلثي المرشحين الذين اختارهم تقريباً قد سقطوا في الانتخابات!

الحزب الوطني سيكون أيضاً حريصاً على بقاء مجلس الشعب، واستكماله لدورته ليعطيه الفرصة لكي يصلح من أموره الداخلية من جهة، ولكي يصدر بعد القرارات الخاصة بالاصلاح السياسي المطلوب، ويمرر القوانين الخاصة بذلك في مجلس الشعب.

ولا أظن ان المسافة ستكون بعيدة بين الحزب والأخوان في هذا السبيل، واذا كان الحزب قد توصل قبل ذلك الى تفاهم حول هذه الإصلاحات المطلوبة مع أحزاب المعارضة، فلا أظن ان التفاهم حول هذه الاصلاحات سيكون صعباً مع الأخوان.

المشكلة الأساسية لن تكون داخل البرلمان بل ستكون خارجه.. فمجلس الشعب بتكوينه الحالي ومع التمثيل الكبير لرجال الأعمال ووضوح سطوة المال في الانتخابات سيكون أكثر ميلاً لليمين.

وفي غياب أحزاب المعارضة وضعف تمثيلها أو تلاشيه، فإن القضايا الاجتماعية والاقتصادية لن تشهد صراعاً حقيقياً داخل البرلمان وإنما سيكون الصراع حولها خارج البرلمان، وربما تكون هي المحرك لنشوء حركات سياسية جديدة ترفع الصوت المغاير وتحرك الشارع السياسي دفاعاً عن توجهاتها.

إن قطار الخصخصة سيسرع في حركته من خلال هذا البرلمان، وهناك من يتربص بمشروعات جاهزة لرفع إيجارات المساكن وتعديل العلاقة الإيجارية لصالح الملاك ورفع الدعم عن السلع الأساسية، والذين صرفوا الملايين في الانتخابات سيسعون لتمرير قوانين يستفيدون منها ويستفيد معهم أصحاب المصالح الخاصة لتعويض ما أنفقوه أضعافاً مضاعفة.

وباختصار، سيحرص الحزب الوطني على بقاء المجلس الحالي لأنه لا يضمن انتخابات أخرى قريبة، وسيحرص الإخوان المسلمون على بقائه لأن ما حققوه فاق توقعاتهم، ولأن تثبيت هذا الوضع لخمس سنوات يمنحهم الفرصة لفرض الشرعية وتوسيع الحركة، وسيحرص رجال الأعمال أيضاً على بقاء المجلس لأنه يمثل فرصة لتمرير قوانين في مصلحتهم.

وستحرص الحكومة على بقائه لأنه يعطيها الفرصة للتطبيق الكامل للبرنامج الاقتصادي الذي تتبناه والقائم على الخصخصة التامة للقطاع العام والمرافق العامة في أسرع وقت، وخلق بيئة مناسبة للاستثمار الأجنبي، وتخلي الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية شيئاً فشيئاً.. الخ.

وهو برنامج كان يمكن أن يلقى معارضة اليسار كحزبي التجمع والناصري، بل ومعارضة حزب ليبرالي كالوفد.. وكلهم إما غائبون أو حاضرون بلا فاعلية في المجلس الجديد.

المجلس الجديد سيبقى.. ولكن مساحة الصراع السياسي ستمتد، وربما تكون في خارج المجلس أكثر سخونة وأشد فعالية.

نقيب الصحافيين المصريين